کتاب: النصيحة الوجيزة للتلامذة العزيزة

کاور النصيحة الوجيزة للتلامذة العزيزة

النصيحة الوجيزة للتلامذة العزيزة

تألیف: استاد عبدالرحمن آخوند تنگلی حفظه الله

محشی: عبدالقیوم آخوند احمدی

زبان: عربی

موضوع: ادب و اخلاق

قطع: رقعی

ناشر: تنعیم گرگان

پیرامون کتاب: این کتاب، اثری تربیتی و اخلاقی از استاد تنگلی است که در قالب مجموعه‌ای از وصایا و رهنمودهای دینی به شاگردانش، مخاطب را به شناخت خویشتن، تقویت ایمان، کسب علوم شرعی و پایبندی به اخلاق اسلامی دعوت می‌کند. نویسنده در این اثر، با بهره‌گیری از آیات قرآن کریم، احادیث نبوی و سخنان بزرگان، به بیان وظایف انسان در برابر خداوند، والدین، استاد، خانواده، فرزندان و جامعه می‌پردازد. از دیگر محورهای کتاب، اهمیت تعلیم و تربیت، دعوت به خیر و اصلاح جامعه، توجه به آخرت، زهد در برابر دنیا و تلاش برای گسترش دانش و معارف اسلامی است. در مجموع، این اثر را می‌توان منشوری از توصیه‌های علمی، اخلاقی و تربیتی دانست که با تأکید بر علم، عمل و تقوا، مخاطب را به پیمودن مسیر بندگی و خدمت به دین و جامعه فرا می‌خواند. کار تألیف این اثر به دهه شصت هجری شمسی برمیگردد اما با کوشش واحد تحقیقات و پژوهش حوزه علمیه عرفانی عرفان آباد، در سال 1404 هجری شمسی به چاپ رسید.

به همت و پشتکار استاد عبدالقیوم احمدی، برای اینکه درک مطالب موجز و مکنوز این رساله برای مخاطبان تسهیل شود، حاشیه ای با عنوان «الفوائد اللذیذه» نگاشته شده تا این اثر هر چه بیشتر مفیدتر واقع گردد. این فایل به صورت پی دی اف ارائه شده و مطابق با نسخه چاپی میباشد. حجم فایل پس از دانلود 1.22 مگابایت میباشد.


دانلود کتاب: النصيحة الوجيزة للتلامذة العزيزة


النصيحة الوجيزة للتلامذة العزيزة

تأليف: فضيلة الشيخ مولانا عبدالرحمن تنگلي طانا حفظه الله تعالی

مع حاشيتها

المسماة بـ «الفوائد اللذيذة»

لتلميذ المؤلف: عبدالقيوم الأحمدي

متن کتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ الخالقِ الكريم و الصَّلاةُ و السَّلامُ عَلی نَبيِّهِ الحَكِيم، مُحَمَّدٍ عَطُوفٍ رَءُوفٍ، داعِي الثَّقَلَينِ إلی صِراطٍ مُستَقِيم وَ عَلی آلِه و أصحابِه و أتباعِهِ الذِّينَ أتَوا رَبَّـهُم بِقَلبٍ سَلِيم. أَمَّا بَعدُ:

فَيا أَيُّهَا التَّلمِيذُ العَزِيزُ  المَدعُو….

أَنتَ ابنِي العِلمِي وَ قُرَّةُ عَينـِي وَ فَرحة قَلبِـي وَ ثَمرَةُ جهدِي، أُوصِيكَ بِوَصَايَا الشَّارِعِ الـحَـقِّ الـمَتِين وَ أَنصَحُـكَ بِنَصَايِـحِ رَسُولِهِ الـهَادِي الأَمِين وَ أَعِظُكَ بِـعِظاتِ مَن سَلَكَ مَسلَكَهُ المُبِين، هذا غَيضٌ مِن فَيضٍ، اعرِف نَـفسَكَ تَـعرِف رَبَّكَ فَـإِنَّ مَـا خَـطَـرَ بِبَالِكَ فَهُوَ هَالِكٌ وَ اللهُ تَعَالی بِخلافِ ذلِكَ.

لَا تَملِك شَيئًا وَ لَا يَملِككَ شَيءٌ اتَّقِ اللهَ مَا استَطَـعتَ وَ اعتَصِم بِحَبلِهِ المَتِين، قَد جَاءَكَ الـحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلَا تَكُ فِي مِريَةٍ مِنهُ، لِأَنَّ الْحَـقَّ أَبْلَجُ وَ الْبَاطِلَ لَجْلَجٌ، فَمَا ذَا بَعدَ الحقِّ إِلَّا الضَّلالُ. لَا تَعرِفِ الحقَّ بِالرِّجَالِ، اعرِفِ الحقَّ تَعرِف أَهلَهُ، فَإِنَّ بِالحقِّ تَظهَرُ مَرَاتِبُ الرِّجَالِ لَا بِتَقَادمِ الأَزمِنَةِ وَ الآجَال.

 ادعُ إلی سَبِيلِ رَبِّكَ و لَاسِيمَا عَشِيرتَكَ الأَقرَبِينَ بِالحِكمَةِ، وَ المَوعِظَةِ الحَسَنَةِ لِأَن يَهدِيَ اللهُ بِهُدَاكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم وَ ابذُل غَايَةَ وسعِـكَ لِإِصلَاحِهِم وَ تَعلِيمِهِم الوَظَائِفَ الشَّرعِيَّةَ، وَ الآدابَ الاجتِمَاعِيَّةَ وَ أَكرِم وَالِدَيكَ إِمَّا أَن يَبلُغَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَ لَا تَنْهَرْهُمَا وَ قُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا رَغِمَ أَنفُكَ إِن أَدرَكتَ وَالِدَيكَ عِندَ الكِبَـرِ أَحَدَهُمَا أَو كِليهمَا ثُـمَّ لَـمْ تُدخَلِ الـجَنَّةَ.

وَ مَنْ عَلَّمَكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الدِّيْنِيةِ وَ المْعَارفِ الإِسلَامِيَّةِ فَهُوَ أَبُوكَ العِلمِي، يَلزَمُ عَلَيكَ أَن تُحِبَّهُ وَ تُوَقِّرَهُ وَ تُعَظِّمَهُ وَ تُلقِيَ إِلَيهِ زِمَامَ أُمُورِكَ مَادامَ حَفِيظًا لِأَمرِ اللهِ تَعالی لِأَنَّ مَن عَلَّمَكَ عِلمًا فَقَد صَيَّـرَكَ عَبدًا إِن شَاءَ أَعتَقَكَ و إِن شَاءَ استَرَقَّكَ، اسمَع نَصَايِحَهُ وَ اطلُب رِضَاهُ وَ ادعُ لَهُ حَيًّا وَ مَيِّتًا وَ أَكرِم مَن يُحِبُّهُ مِن أَهلِه وَ عَشِيـرَتِه وَ أَحبَابِه وَ أَعوَانِه وَ اترُك مَن يُبغِضُهُ وَ لَاتَمشِ أَمَامَهُ وَ لَاتَجلِس مَكَانَهُ وَ لَاتَكَلَّم عِندَهُ إِلَّا بِإِذنِه حَذاريكَ تَأذِّيَه مِن سُوءِ أَدَبِكَ فَمَن تَأَذَّی مِنهُ أُستَاذُهُ يُحرَم بَرَكَةَ العِلم وَ لَاينتفعُ بِه إِلَّا قَلِيلاً.

زُر غِبًّا تَزدَد حُبًّا وَ أَدِّ وَظِيفَتَكَ فِي زَوجَتِكَ إِن كَانَت تَسُرُّكَ إِذا نَظَرتَ وَ تُطِيعُكَ إِذا أَمَرتَ وَ لَاتُخَالِفُكَ فِي نَفسِهَا وَ لَا مَالِـها بِمَا تَكرَهُ فَإِنَّهَا نِعمَةٌ عَظِيمَةٌ مِن نِعَمِ اللهِ فَشُكرُهَا وَاجِبٌ وَ حُـبُّهَـا لَازِمٌ وَ إِن لَـم تـكُن مُتَّصِفَةً بِالصِّـفَاتِ الحَمِيدَةِ المَذكُورَةِ فَلَابُدَّ أَن تَبذُلَ الوسعَ لِإرشَادِهَا وَ تَزكِيةِ أَخلَاقِهَا بِالصَّبرِ وَ المُسَامَحَةِ وَ أَن تَشكُرَ لَهَا مِن مَحَاسِنِهَا وَ تَعفُوَ وَ تَصفَحَ عَن زلَّاتِهَا وَ تُصَوِّبَهَا بِالرِّفقَ وَ الصَّفحِ وَ النّصحِ؛ فَإِنَّهَا مِنَ الفِئَاتِ اللَّتِـي لَا حُسنَ فِيهِنَّ وَ لَابُدَّ لِلإِنسَانِ مِنهُنَّ فَهُنَّ يَغلِبنَ كَرِيمًا وَ يَغلِبهُنَّ اللَّئِيمُ، فَكُونُكَ مَغلُوبًا كَرِيمًا خَيرٌ لَكَ مِن أَن تَكُونَ غَالِبًا لَئِيمًا وَ وَظِيفَتَكَ فِي أَولَادِكَ أَن تُسَمِّيَهُم بِالأَسمَاءِ الحُسنـی وَ تُرَبِّيَهُم بِأَحسَنِ التَّربِيَةِ وَ تُسَلِّمَهُم مَعَاهِدَ العُلُومِ الشَّرعِيَّةِ لِيَكُونُوا مِنَ العُلَمَاءِ العَامِلِينَ وَ تَكُون لَهُم أَرضًا ذَلِيلَةً وَ سَماءً ظَلِيلَةً، فَإِن طَلَبُوا فَأَعطِهِم وَ إِن غَضِبُوا فَأَرضِهِم، فَإِنَّهُم يَمنَحُـونَكَ وُدَّهُم وَ يَحبُونَكَ جهدَهُم وَ لَاتَكُن عَلَيهِم ثَقِيلاً فَيَملّوا حَيَاتَكَ، وَ يَتَمَنَّوا وَفَاتَكَ وَ إِذا بَلَغُوا فَأَنكِحِ الأَيَامی مِنهُم بِالزَّوَاجِ المِثَالِي وَ تَخَيَّر لِنُطَفِكَ فَإِنَّ العِرقَ دَسَّاسٌ وَ زَوِّج بَنَاتكَ مِن أَهلِ العِلمِ الصَّالِح، فَإِنَّه سِراجُ الدُّنيا وَ مِصباحُ الآخِرَة.

وَ عَلِّمِ المُسلِمِينَ مِمَّا عَلَّمنَاك مِنَ الأُصُولِ الاعتِقَادِيَّةِ وَ الفُرُوعِ الأَحكَامِيَّةِ وِ الأَخلَاقِ العِرفَانِيَّةِ وَ ادعُهُم إِلی التَّعَاوُنِ عَلی البِرِّ وَ التَّقوَی وَ التَّجَنُّبِ عَنِ الإِثمِ وَ العُدوَانِ، فَيَسِّر عَلَيهِم وَ لَاتُعَسِّر وَ بَشِّرهُم وَ لَاتُنَفِّر وَ لَاتَكُن حُلواً فَتُبلَع وَ لَاتَكُن مُرّاً فَتُنفَر. وَ احذَرِ الدُّنيَا فَإِنَّها بَحرٌ لُـجِّيٌّ، فَاجعَل سَفِينَتَكَ فِيها عَمَلاً صَالِـحاً، اعمَل لِدُنيَاكَ كَأَنَّكَ لَن تَمُوتَ أَبَداً وَ اعمَل لِآخِرتِكَ كَأَنَّكَ لَتَمُوتُ غَداً.

فَإِن يَسَّرَكَ اللهُ تبارَك وَ تَعالی تَأسِيسَ المَدارِسِ وَ جَمعَ الطُّلَّابِ فَافعَل وَ إِلّا  فَاجعَل بُيُوتَك مَدارِسَ وَ مَنازِلَك مَعاهِدَ فَإِنَّ أَولَی الأُمُورِ بِالنَّجَاحِ المُوَاظَبَةُ وَ الإِلحَاحُ. إِن تَنصُرِ اللهَ يَنصُركَ وَ يُثَبِّت أَقدَامَك وَ سِر فِي بِيئَاتِ أَرضِكَ وَ بُلدَانِ وَطَنِك، فَإِن لَاقَيتَ فِيها طَلَبَةً مُستَحِقَّةً فَأَرشِدهُم إِلی مَحَلِّ تَحصِيلِك وَ مَنشَإِ بَرَكَتِك الجَامِعَةِ العِرفَانِيَّةِ فِي عِرفَان آبَاد، صَانَها اللهُ تَعالی مِن الفِتَنِ وَ البَلَايَا إِلی يَومِ التَّنَاد. فَإِنَّ الدَّالَّ عَلی الخَيرِ كَفَاعِلِه، وَ احفَظ مِنَ الآياتِ القُرآنِيَّةِ وَ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَ الـمُـتُـونِ الأَحكامِيَّةِ وَ القَواعِدِ العِلمِيَّةِ، مَا لَابُدَّ لَك مِنهُ؛ فَإِنَّه لَيسَ بِـعِلمٍ مَا حَـواهُ القِمَطرُ إِنَّما العِـلمُ مَا حَـواهُ الصَّدرُ.

لَا تَرغَب فِي وَدِّ الـجُهَلَاءِ وَ العَـوَامِّ؛ فَيَرونَ أَنَّك تَرضَی عَمَلَهُم، فَيَجذِبُونَ إِلی طَبَائِـعِـهِمِ الـجُمُودِيَّةِ وَ لَا تُـمَازِحهُم؛ فَإِنَّ الـمُزَاحَةَ تُذهِبُ الـمَهَابَةَ. عَلَيكَ بِمَجَالِسِ العُلَمَاءِ، لَاسِيَّمَا جَلسَاتكَ الشَّهرِيَّة فِي الجَامِعَةِ العِرفَانِيَّةِ وَ استِمَاعِ كَلامِ الحُكَمَاءِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعالی يُحيِی القَلبَ المَيِّتَ بِنُورِ الحِكمَةِ كَمَا يُحيِی الأَرضَ بِوَابِلِ السَّمَاءِ. وَ احتَرِم أُولِي أَمرِك وَ سَلَاطِين مَملَكَتِك وَ أَطِع حُكمَهُم، وَ لَازِم طُرُقَهُم فِيما يُرضِي اللهَ وَ رَسُولَه، دَارِهِم إِن كُنتَ فِي دَارِهِم وَ أَرضِهِم إِن كُنتَ فِي أَرضِهِم.

وَ ليَستَوِ عِندَك مَادِحُك وَ ذَامُّك، فَلا تَغتَرَّ بِتَعظِيمِ أَهلِ الدُّنيَا إِيَّاك فَإِنَّـهُم مِنَ الخَاسِرِين. اليَومَ ذَهَبَ النَّاسُ وَ بَقِيَ النسنَاسُ، وَ ذَهَبَ العَصِيرُ وَ بَقِيَ الثَّجِيرُ، وَ أَصلِح ظَاهِرَك بِالشَّريعَة وَ نَوِّر بَاطِنَك بِالطَّريقَة، فَتَكُون مِن أَهلِ الحقِيقَة، وَ مَن لَم يَسلُك هَاتَينِ المَسلَكَينِ فَفَعَلَ مَا شَاءَ، لَقِیَ مَا سَاءَ. تَفَرَّغ لِلعِبادَةِ يَملَإِ اللهُ صَدرَك غِنیً، فَلتَكُنِ الآخِرةُ هَمَّك وَ حِسَابُـهَا غَمَّك، أَعِزَّ عِبادَةَ اللهِ يُعِزّ شَأنَك، عَلَيكَ بِالإِيَاسِ مِمَّا فِي أَيدِی النَّاسِ. اتَّقِ اللهَ يَجعَل لَك مَخرَجاً وَ يَرزُقكَ مِن حَيثُ لَاتَحتَسِبُ وَ تَوَكَّل عَلَيهِ فَهُوَ حَسبُك وَ لَاتَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلی بَهجَةِ الدُّنيَا وَ زَخَارِفِهَا فَإِنَّـها كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ، أَو صُورَةٍ فِي مِرآةٍ وَ هِیَ دَارُ مَن لَا دَارَ لَه وَ مَالُ مَن لَامَالَ لَه وَ يَغُرَّنَّ بِـها مَن لَا سَعدَ لَه وَ مَا الحَياةُ الدُّنيَا إِلّا مَتَاعُ الغُرُورِ.

إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ مَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

بسم الله الرحمن الرحيم[1]

الحمدُ للهِ الخالقِ [2] الكريم،[3] و الصَّلاةُ [4]

و السَّلامُ [5] عَلی نَبيِّهِ الحَكِيم،[6]

مُحَمَّدٍ[7] عَطُوفٍ [8] رَءُوفٍ، داعِي الثَّقَلَينِ إلی صِراطٍ مُستَقِيم، وَ عَلی آلِه [9] و أصحابِه [10] و أتباعِهِ الذِّينَ أتَوا رَبَّـهُم بِقَلبٍ سَلِيم.[11]

أَمَّا بَعدُ[12]: فَيا أَيُّهَا التَّلمِيذُ العَزِيزُ [13] المَدعُو…. [14]

أَنتَ ابنِي العِلمِي،[15] وَ قُرَّةُ عَينـِي، وَ فَرحة قَلبِـي، وَ ثَمرَةُ جهدِي، أُوصِيكَ بِوَصَايَا الشَّارِعِ الـحَـقِّ الـمَتِين، وَ أَنصَحُـكَ بِنَصَايِـحِ [16] رَسُولِهِ

الـهَادِي [17] الأَمِين، وَ أَعِظُكَ [18] بِـعِظاتِ مَن سَلَكَ مَسلَكَهُ المُبِين، هذا غَيضٌ مِن فَيضٍ[19]، اعرِف نَـفسَكَ تَـعرِف رَبَّكَ [20] فَـإِنَّ مَـا خَـطَـرَ بِبَالِكَ، فَهُوَ هَالِكٌ، وَ اللهُ تَعَالی بِخلافِ ذلِكَ [21].

لَا تَملِك شَيئًا، وَ لَا يَملِككَ شَيءٌ. اتَّقِ اللهَ مَا استَطَـعتَ [22] وَ اعتَصِم بِحَبلِهِ المَتِين[23]،

 قَد جَاءَكَ الـحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلَا تَكُ فِي مِريَةٍ مِنهُ،[24] لِأَنَّ الْحَـقَّ أَبْلَجُ وَ الْبَاطِلَ لَجْلَجٌ،[25] فَمَا ذَا بَعدَ الحقِّ إِلَّا الضَّلالُ[26]. لَا تَعرِفِ الحقَّ بِالرِّجَالِ، اعرِفِ الحقَّ تَعرِف أَهلَهُ [27]، فَإِنَّ بِالحقِّ تَظهَرُ مَرَاتِبُ الرِّجَالِ، لَا بِتَقَادمِ الأَزمِنَةِ وَ الآجَال.

 ادعُ إلی سَبِيلِ رَبِّكَ [28] و لَاسِيمَا [29] عَشِيرتَكَ الأَقرَبِينَ بِالحِكمَةِ، وَ المَوعِظَةِ الحَسَنَةِ.

 لِأَن يَهدِيَ اللهُ بِهُدَاكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم[30].

وَ ابذُل غَايَةَ وسعِـكَ لِإِصلَاحِهِم وَ تَعلِيمِهِم الوَظَائِفَ الشَّرعِيَّةَ، وَ الآدابَ الاجتِمَاعِيَّةَ.[31]

 وَ أَكرِم وَالِدَيكَ [32] إِمَّا أَن يَبلُغَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَ لَا تَنْهَرْهُمَا، وَ قُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [33].

رَغِمَ أَنفُكَ إِن أَدرَكتَ وَالِدَيكَ عِندَ الكِبَـرِ أَحَدَهُمَا أَو كِليهمَا ثُـمَّ لَـمْ تُدخَلِ الـجَنَّةَ.[34]

وَ مَنْ عَلَّمَكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الدِّيْنِيةِ وَ المْعَارفِ الإِسلَامِيَّةِ فَهُوَ أَبُوكَ العِلمِي، يَلزَمُ عَلَيكَ أَن تُحِبَّهُ وَ تُوَقِّرَهُ وَ تُعَظِّمَهُ، [35] وَ تُلقِيَ إِلَيهِ زِمَامَ أُمُورِكَ [36] مَادامَ حَفِيظًا

لِأَمرِ اللهِ تَعالی،[37] لِأَنَّ مَن عَلَّمَكَ عِلمًا فَقَد صَيَّـرَكَ عَبدًا [38] إِن شَاءَ أَعتَقَكَ، و إِن شَاءَ استَرَقَّكَ، [39] اسمَع نَصَايِحَهُ وَ اطلُب رِضَاهُ، وَ ادعُ لَهُ حَيًّا وَ مَيِّتًا، [40]

وَ أَكرِم مَن يُحِبُّهُ مِن أَهلِه وَ عَشِيـرَتِه وَ أَحبَابِه وَ أَعوَانِه،[41] وَ اترُك مَن يُبغِضُهُ، وَ لَاتَمشِ أَمَامَهُ، وَ لَاتَجلِس مَكَانَهُ، وَ لَاتَكَلَّم عِندَهُ إِلَّا بِإِذنِه، حَذاريكَ [42] تَأذِّيَه مِن سُوءِ أَدَبِكَ،[43] فَمَن تَأَذَّی مِنهُ أُستَاذُهُ يُحرَم بَرَكَةَ العِلم، وَ لَاينتفعُ بِه إِلَّا قَلِيلاً. [44]

زُر غِبًّا تَزدَد حُبًّا،[45] وَ أَدِّ وَظِيفَتَكَ فِي زَوجَتِكَ[46] إِن كَانَت تَسُرُّكَ إِذا نَظَرتَ، وَ تُطِيعُكَ إِذا أَمَرتَ، وَ لَاتُخَالِفُكَ فِي نَفسِهَا وَ لَا مَالِـها بِمَا تَكرَهُ،[47] فَإِنَّهَا نِعمَةٌ عَظِيمَةٌ مِن نِعَمِ اللهِ، فَشُكرُهَا وَاجِبٌ، وَ حُـبُّهَـا لَازِمٌ، وَ إِن لَـم تـكُن مُتَّصِفَةً بِالصِّـفَاتِ الحَمِيدَةِ المَذكُورَةِ، فَلَابُدَّ أَن تَبذُلَ الوسعَ لِإرشَادِهَا وَ تَزكِيةِ أَخلَاقِهَا بِالصَّبرِ وَ المُسَامَحَةِ، وَ أَن تَشكُرَ لَهَا مِن مَحَاسِنِهَا، وَ تَعفُوَ وَ تَصفَحَ عَن زلَّاتِهَا، [48] وَ تُصَوِّبَهَا بِالرِّفقَ [49] وَ الصَّفحِ وَ النّصحِ؛ فَإِنَّهَا مِنَ الفِئَاتِ اللَّتِـي لَا حُسنَ فِيهِنَّ، وَ لَابُدَّ لِلإِنسَانِ مِنهُنَّ، فَهُنَّ يَغلِبنَ كَرِيمًا، وَ يَغلِبهُنَّ اللَّئِيمُ، فَكُونُكَ مَغلُوبًا كَرِيمًا، خَيرٌ لَكَ مِن أَن تَكُونَ غَالِبًا لَئِيمًا، وَ وَظِيفَتَكَ فِي أَولَادِكَ، أَن تُسَمِّيَهُم بِالأَسمَاءِ الحُسنـی، وَ تُرَبِّيَهُم بِأَحسَنِ التَّربِيَةِ [50] وَ تُسَلِّمَهُم مَعَاهِدَ العُلُومِ الشَّرعِيَّةِ، لِيَكُونُوا مِنَ العُلَمَاءِ العَامِلِينَ،[51]

وَ تَكُون لَهُم أَرضًا ذَلِيلَةً، وَ سَماءً ظَلِيلَةً، فَإِن طَلَبُوا فَأَعطِهِم، وَ إِن غَضِبُوا فَأَرضِهِم، فَإِنَّهُم يَمنَحُـونَكَ وُدَّهُم، وَ يَحبُونَكَ جهدَهُم، وَ لَاتَكُن عَلَيهِم ثَقِيلاً فَيَملّوا حَيَاتَكَ، وَ يَتَمَنَّوا وَفَاتَكَ، وَ إِذا بَلَغُوا فَأَنكِحِ الأَيَامی مِنهُم بِالزَّوَاجِ المِثَالِي، وَ تَخَيَّر لِنُطَفِكَ فَإِنَّ العِرقَ دَسَّاسٌ.[52] وَ زَوِّج بَنَاتكَ مِن أَهلِ العِلمِ الصَّالِح، فَإِنَّه سِراجُ الدُّنيا، وَ مِصباحُ الآخِرَة [53].

وَ عَلِّمِ المُسلِمِينَ [54] مِمَّا عَلَّمنَاك، مِنَ الأُصُولِ الاعتِقَادِيَّةِ، وَ الفُرُوعِ الأَحكَامِيَّةِ، وِ الأَخلَاقِ العِرفَانِيَّةِ،[55] وَ ادعُهُم إِلی التَّعَاوُنِ عَلی البِرِّ وَ التَّقوَی، وَ التَّجَنُّبِ عَنِ الإِثمِ وَ العُدوَانِ،[56] فَيَسِّر عَلَيهِم وَ لَاتُعَسِّر، وَ بَشِّرهُم وَ لَاتُنَفِّر[57] ، وَ لَاتَكُن حُلواً فَتُبلَع، وَ لَاتَكُن مُرّاً فَتُنفَر[58].

وَ احذَرِ الدُّنيَا [59] فَإِنَّها بَحرٌ لُـجِّيٌّ،[60] فَاجعَل سَفِينَتَكَ فِيها عَمَلاً صَالِـحاً،[61] اعمَل لِدُنيَاكَ كَأَنَّكَ لَن تَمُوتَ أَبَداً، وَ اعمَل لِآخِرتِكَ كَأَنَّكَ لَتَمُوتُ غَداً [62].

فَإِن يَسَّرَكَ اللهُ تبارَك وَ تَعالی تَأسِيسَ المَدارِسِ، وَ جَمعَ الطُّلَّابِ فَافعَل، وَ إِلّا  فَاجعَل[63] بُيُوتَك مَدارِسَ، وَ مَنازِلَك مَعاهِدَ [64]، فَإِنَّ أَولَی الأُمُورِ بِالنَّجَاحِ المُوَاظَبَةُ وَ الإِلحَاحُ.

إِن تَنصُرِ اللهَ يَنصُركَ وَ يُثَبِّت أَقدَامَك،[65] وَ سِر فِي بِيئَاتِ أَرضِكَ وَ بُلدَانِ وَطَنِك،فَإِن لَاقَيتَ فِيها طَلَبَةً مُستَحِقَّةً [66] فَأَرشِدهُم إِلی مَحَلِّ تَحصِيلِك، وَ مَنشَإِ بَرَكَتِك الجَامِعَةِ العِرفَانِيَّةِ فِي عِرفَان آبَاد،

صَانَها اللهُ تَعالی مِن الفِتَنِ وَ البَلَايَا إِلی يَومِ التَّنَاد.[67]

فَإِنَّ الدَّالَّ عَلی الخَيرِ كَفَاعِلِه، [68] وَ احفَظ [69] مِنَ الآياتِ القُرآنِيَّةِ،[70] وَ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، وَ الـمُـتُـونِ الأَحكامِيَّةِ، وَ القَواعِدِ العِلمِيَّةِ،

مَا لَابُدَّ لَك مِنهُ؛ [71] فَإِنَّه لَيسَ بِـعِلمٍ مَا حَـواهُ القِمَطرُ، إِنَّما العِـلمُ مَا حَـواهُ الصَّدرُ [72].

لَا تَرغَب فِي وَدِّ الـجُهَلَاءِ وَ العَـوَامِّ؛ فَيَرونَ أَنَّك تَرضَی عَمَلَهُم،[73] فَيَجذِبُونَ إِلی طَبَائِـعِـهِمِ الـجُمُودِيَّةِ،[74] وَ لَا تُـمَازِحهُم؛ فَإِنَّ الـمُزَاحَةَ تُذهِبُ الـمَهَابَةَ. [75]

عَلَيكَ بِمَجَالِسِ العُلَمَاءِ،[76]

لَاسِيَّمَا[77] جَلسَاتكَ الشَّهرِيَّة فِي الجَامِعَةِ العِرفَانِيَّةِ، وَ استِمَاعِ كَلامِ الحُكَمَاءِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعالی يُحيِی القَلبَ المَيِّتَ بِنُورِ الحِكمَةِ كَمَا يُحيِی الأَرضَ بِوَابِلِ السَّمَاءِ [78]. وَ احتَرِم أُولِي أَمرِك، وَ سَلَاطِين مَملَكَتِك،[79]  وَ أَطِع حُكمَهُم، وَ لَازِم طُرُقَهُم فِيما يُرضِي اللهَ وَ رَسُولَه، [80] دَارِهِم [81] إِن كُنتَ فِي دَارِهِم، وَ أَرضِهِم إِن كُنتَ فِي أَرضِهِم.

وَ ليَستَوِ عِندَك مَادِحُك وَ ذَامُّك،[82] فَلا تَغتَرَّ بِتَعظِيمِ أَهلِ الدُّنيَا إِيَّاك، فَإِنَّـهُم مِنَ الخَاسِرِين. [83]

اليَومَ ذَهَبَ النَّاسُ، وَ بَقِيَ النسنَاسُ[84]،

وَ ذَهَبَ العَصِيرُ، وَ بَقِيَ الثَّجِيرُ[85]، وَ أَصلِح ظَاهِرَك بِالشَّريعَة، وَ نَوِّر بَاطِنَك بِالطَّريقَة، فَتَكُون مِن أَهلِ الحقِيقَة،[86] وَ مَن لَم يَسلُك هَاتَينِ المَسلَكَينِ فَفَعَلَ مَا شَاءَ، لَقِیَ مَا سَاءَ [87].

تَفَرَّغ لِلعِبادَةِ يَملَإِ اللهُ صَدرَك غِنیً،[88] فَلتَكُنِ الآخِرةُ [89] هَمَّك،[90] وَ حِسَابُـهَا غَمَّك، أَعِزَّ عِبادَةَ اللهِ، يُعِزّ شَأنَك، عَلَيكَ بِالإِيَاسِ مِمَّا فِي أَيدِی النَّاسِ.[91] اتَّقِ اللهَ [92] يَجعَل لَك مَخرَجاً، وَ يَرزُقكَ مِن حَيثُ لَاتَحتَسِبُ، وَ تَوَكَّل [93]عَلَيهِ فَهُوَ حَسبُك،

وَ لَاتَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلی بَهجَةِ الدُّنيَا [94] وَ زَخَارِفِهَا فَإِنَّـها كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ،[95] أَو صُورَةٍ فِي مِرآةٍ، وَ هِیَ دَارُ مَن لَا دَارَ لَه، وَ مَالُ مَن لَامَالَ لَه، وَ يَغُرَّنَّ بِـها مَن لَا سَعدَ لَه،[96] وَ مَا الحَياةُ الدُّنيَا إِلّا مَتَاعُ الغُرُورِ[97].

إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَ مَا تَوْفِيقِي[98] إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ،[99] سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَ سَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [100].

فهرس أهم المصادر التي ذكرت في الحاشية

  1. الإبانة الكبرى لابن بطة، لأبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري المعروف بابن بَطَّة العكبري (المتوفى: 387 هـ).
  2. إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم بن قايماز بن عثمان البوصيري الكناني الشافعي (المتوفى: 840 هـ).
  3. إتحاف الطالب بمنازل الطلب، لأبي عاصم، عمر بن مسعود ابن الشيخ عمر بن حدوش الحدوشي الوَرْيَاغْلِي.
  4. أحكام لا سيما و ما يتعلق بها، لأحمد بن أحمد بن محمَّد السُّجَاعِيّ.
  5. إحياء علوم الدين، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505 هـ).
  6. أخبار أبي حنيفة و أصحابه، لأبي عبد الله الحسين بن علي بن محمد بن جعفر، الصَّيْمَري الحنفي ( المتوفى: 436 هـ ).
  7. أخلاق العلماء، لأبي بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجُرِّيُّ البغدادي (المتوفى: 360 هـ).
  8. أخلاق المسلم – علاقته بالمجتمع، للدكتور وهبة الزحيلي.
  9. أخلاق المسلم – علاقته بالنفس و الكون، للدكتور وهبة الزحيلي.
  10. الآداب الشرعية و المنح المرعية، لأبي عبد الله، محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي الحنبلي ( المتوفى: 763 هـ ).
  11. آداب الصحبة، لأبي عبد الرحمن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن خالد بن سالم النيسابوري السلمي ( المتوفى: 412 هـ ).
  12. آداب المعلم و المتعلم عند الإمام ابن مفلح من خلال كتابه الآداب الشرعية، لبدر بن جزاع بن نايف النماصي.
  13. أدب الدنيا و الدين، لأبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي ( المتوفى: 450 هـ ).
  14. الأربعين في أصول الدين، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي ( المتوفى: 505 هـ ).
  15. ارتشاف الضرب من لسان العرب، لأبي حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي ( المتوفى: 745 هـ ).
  16. إرشاد الطُّلاَّب إلى فضيلة العلم و العمل و الآداب، لمحمَّد بن عبد العزيز بن مَانع ( ت: 1385 هـ ).
  17. إرشاد العباد للاستعداد ليوم المعاد، لعبدالعزيز بن محمد السلمان.
  18. الاستقامة في مائة حديث نبوي، لمحمد زكي محمد خضر.
  19. إصلاح المال، لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا ( المتوفى: 281 هـ ).
  20. أصول الإيمان و الإسلام، للدكتور وهبة الزحيلي.
  21. الإِعلام بـحرمة أهل العلم و الإسلام، لمحمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم.
  22. إفراد الصلاة عن السلام هل يكره أو لا ؟ للمحقق علي بن سلطان محمد، أبي الحسن نورالدين الملا الهروي القاري (المتوفى: 1014 هـ).
  23. أمثال الحديث المروية عن النبي صلى الله عليه و سلم، لأبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي الفارسي ( المتوفى: 360 هـ ).
  24. الأمثال المولدة، لأبي بكر محمد بن العباس الخوارزمي ( المتوفى: 383 هـ ).
  25. الأمثال للهاشمي، لأبي الخير الهاشمي، زيد بن عبد الله بن مسعود بن رفاعة (المتوفى: بعد 400 هـ).
  26. الأمثال و الحكم،  لأبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي ( المتوفى: 450 هـ ).
  27. أنساب الأشراف، لأحمد بن يحيى بن جابر بن داود البَلَاذُري (المتوفى: 279 هـ).
  28. الأنوار الساطعات لآيات جامعات، أو البرهان المحكم في أن القرآن يهدي للتي هي أقوم، لأبي محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان ( المتوفى: 1422 هـ ).
  29. أنيس الفضلاء من سير أعلام النبلاء، لأبي رملة محمد المنصور بن إبراهيم.
  30. إياك و الحسد، للدكتور بدر عبد الحميد هميسه.
  31. الإيماء إلى زوائد الأمالي و الأجزاء – زوائد الأمالي و الفوائد و المعاجم و المشيخات على الكتب الستة و الموطأ و مسند الإمام أحمد، لنبيل سعد الدين سَليم جَرَّار.
  32. البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لزين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابن نجيم المصري ( المتوفى: 970 هـ ).
  33. بحر العلوم ـ تفسير السمرقندي، لأبي الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي ( المتوفى: 373 هـ ).
  34. بحر الفوائد ( المشهور بمعاني الأخبار )، لأبي بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري الحنفي (المتوفى: 380 هـ ).
  35. البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، لأبي العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي ( المتوفى: 1224 هـ ).
  36. البداية و النهاية، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي ( المتوفى: 774 هـ ).
  37. بستان العارفين، لأبي الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي (المتوفى: 373 هـ).
  38. بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، لمجد الدين أبي طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى ( المتوفى: 817 هـ ).
  39. البصائر و الذخائر، لأبي حيان التوحيدي، علي بن محمد بن العباس ( المتوفى: نحو 400 هـ ).
  40. بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، لأبي الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر الهيثمي ( المتوفى: 807 هـ).
  41. بهجة المجالس و أنس المجالس، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي ( المتوفى: 463 هـ ).
  42. التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول مع غاية المأمول، للشيخ منصور علي ناصف.
  43. تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي ( المتوفى: 748 هـ ).
  44. تاريخ بغداد أو مدينة السلام، لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي ( المتوفى: 463 هـ ).
  45. تاريخ مدينة دمشق، لثقة الدين، أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر ( المتوفى: 571 هـ ).
  46. التبصرة، لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي ( المتوفى: 597 هـ ).
  47. تحبير الوريقات بشرح الثلاثيات، لأبي وداعة وليد بن صبحى الصعيدى.
  48. تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، لجمال الدين أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي ( المتوفى: 742 هـ ).
  49. تذكرة السامع و المتكلم في أدب العالم و المتعلم، لأبي عبد الله، محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي الشافعي، بدر الدين ( المتوفى: 733 هـ ).
  50. التذكرة في الوعظ، لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي ( المتوفى: 597 هـ ).
  51. الترغيب و الترهيب من الحديث الشريف، لأبي محمد، زكي الدين، عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله، المنذري ( المتوفى: 656 هـ ).
  52. تعليم المتعلم طريق التعلم، لبرهان الإسلام الزرنوجي.
  53. تفسیر ابن أبي حاتم، لأبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم ( المتوفى: 327 هـ ).
  54. تفسیر ابن کثیر، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي ( المتوفى: 774 هـ ).
  55. تفسير الشعراوي، لمحمد متولي الشعراوي ( المتوفى: 1418 هـ ).
  56. تفسير المراغي، لأحمد بن مصطفى المراغي ( المتوفى: 1371 هـ ).
  57. التفسير المنير في العقيدة و الشريعة و المنهج، للدكتور وهبة بن مصطفى الزحيلي.
  58. التفسير المنير في العقيدة و الشريعة و المنهج، للدكتور وهبة بن مصطفى الزحيلي.
  59. تقرير ترمذي، للمفتي محمد تقي العثماني.
  60. تلبيس إبليس، لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597 هـ).
  61. التمثيل و المحاضرة، لعبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبي منصور الثعالبي (المتوفى: 429 هـ).
  62. تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد، لمحمد بن يوسف بن أحمد، محب الدين الحلبي ثم المصري، المعروف بناظر الجيش ( المتوفى: 778 هـ ).
  63. تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء و المرسلين، لأبي الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي ( المتوفى: 373 هـ ).
  64. تنبيه المغترين على ما خالفوا فيه سلفهم الطاهر أواخر القرن العاشر، لأبي محمد، عبد الوهاب بن أحمد بن علي الحَنَفي، نسبه إلى محمد ابن الحنفية، الشَّعْراني (المتوفى: 973 هـ).
  65. تنبيهات الأكابر، للدكتور حمزة بن فايع الفتحي.
  66. التنوير شرح الجامع الصغير، لأبي إبراهيم، عز الدين، محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني ثم الصنعاني، المعروف كأسلافه بالأمير (المتوفى: 1182هـ).
  67. تهذيب الأسماء و اللغات، للإمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ).
  68. تيسير الوصول إلی أمثال و حكم الرسول، لمحمد عبدالرحيم.
  69. التيسير بشرح الجامع الصغير، لزين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031 هـ).
  70. ثبات العاجزين، للعلامة الصوفي الله يار الحنفي البخاري ( المتوفی: 1133 هـ ).
  71. جامع الدروس العربية، لمصطفى بن محمد سليم الغلايينى ( المتوفى: 1364 هـ ).
  72. الجامع الصغير من حديث البشير النذير، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ابن سابق الدين الخضيري السيوطي ( المتوفى: 911 هـ ).
  • جامع العلوم و الحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي ( المتوفى: 795 هـ ).
  • جامع المباني شرح فقه الكيداني، لمفتي بخاری شمس الدين محمد القهستاني (المتوفي: نحو 950 هـ).
  • جامع بيان العلم و فضله، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي ( المتوفى: 463 هـ ).
  • الجامع لأحكام القرآن – تفسير القرطبي، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي ( المتوفى: 671 هـ ).
  • الجامع لأخلاق الراوي و آداب السامع، لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي ( المتوفى: 463 هـ ).
  • الجامع، لمعمر بن أبي عمرو راشد الأزدي مولاهم، أبي عروة البصري، نزيل اليمن ( المتوفى: 153 هـ ).
  • الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث، لأحمد بن عبد الكريم بن سعودي الغزي العامري ( المتوفى: 1143 هـ ).
  • الجزء للبغوي، لأبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المَرْزُبان بن سابور بن شاهنشاه البغوي ( المتوفى: 317 هـ ).
  • جمع الجوامع المعروف بـ « الجامع الكبير »، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ابن سابق الدين الخضيري السيوطي ( المتوفى: 911 هـ ).
  • جمع الوسائل في شرح الشمائل، لأبي الحسن، نور الدين، علي بن سلطان محمد، الهروي القاري ( المتوفى: 1014 هـ ).
  • جمهرة الأمثال، لأبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري ( المتوفى: نحو 395 هـ ).
  • الجواهر المضية في طبقات الحنفية، لأبي محمد، عبد القادر بن محمد بن نصر الله القرشي، محيي الدين الحنفي ( المتوفى: 775 هـ ).
  • حاشية السندي على سنن ابن ماجه = كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه، لأبي الحسن محمد بن عبد الهادي التتوي، نور الدين السندي (المتوفى: 1138 هـ).
  • حاشية السندي علی مسند الإمام أحمد، لأبي الحسن، محمد بن عبد الهادي التتوي، نور الدين السندي ( المتوفى: 1138 هـ ).
  • حاشية الشلبي علی التبيين، لشهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن يونس بن إسماعيل بن يونس الشِّلْبِيّ ( المتوفى: 1021 هـ ).
  • حاشية الصاوي على تفسير الجلالين، لأبي العباس أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي المالكي ( المتوفى: 1241 هـ ).
  • حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح، لأحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي الحنفي ( المتوفى: 1231 هـ ).
  • حدائق الروح و الريحان في روابي علوم القرآن، للشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي.
  • حسن التفهم علي تعليم المتعلم، للشيخ محمد بن أحمد عاموه.
  • حسن التنبه لما ورد في التشبه، لنجم الدين، محمد بن محمد العامري القرشي الغزي الدمشقي الشافعي (المتوفى: 1061 هـ ).
  • حقائق التفسير = تفسير السلمي، لأبي عبد الرحمن السلمي محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن خالد بن سالم النيسابوري ( المتوفى: 412 هـ ).
  • حلية الأولياء و طبقات الأصفياء، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني ( المتوفى: 430 هـ ).
  • خير الكلام ما قل و دل، لأبي عبد الرحمن وليد دويدار.
  • الدر الفريد و بيت القصيد، لمحمد بن أيدمر المستعصمي ( المتوفي: 710 هـ ).
  • الدر المنثور في التفسير بالمأثور، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ابن سابق الدين الخضيري السيوطي ( المتوفى: 911 هـ ).
  • الدرة المنيفة على مذهب الإمام أبي حنيفة، لعمر بن عمر الزهيري الحنفي.
  • الدرر المباحة في الحظر و الإباحة، للشيخ خليل بن عبد القادر الشيباني الشهير بالنحلاوي ( المتوفی: 1350 هـ ).
  • دروس شرح مسلم المحررة، لأبي عبيدة مشهور بن حسن بن محمود آل سلمان.
  • الدعوات الكبير للبيهقي، لأحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسروجردي الخراساني، أبي بكر البيهقي ( المتوفى: 458 هـ ).
  • دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، لمحمد علي بن محمد بن علان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي ( المتوفى: 1057 هـ ).
  • دورة الآداب، لأبي الفضل عمر بن مسعود الحدوشي.
  • ديوان الإمام الشافعي، للإمام المجتهد أبي عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي ( المتوفى: 204 هـ ).
  • ديوان عمرو بن معدي كرب، لعمرو بن معدي كرب بن ربيعة بن عبد اللّه الزبيدي ( المتوفى: سنة 21 هـ ).
  • ديوان مخدومقلي فراغي، للولي العارف بالله حضرت مخدومقلي الفراغي ( المتوفی: 1212 هـ ).
  • الذخائر و العبقريات – معجم ثقافي جامع، لعبد الرحمن بن عبد الرحمن بن سيد بن أحمد البرقوقي الأديب المصري ( المتوفى: 1363 هـ ).
  • ذخيرة الحفاظ، لأبي الفضل محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسي الشيباني، المعروف بابن القيسراني ( المتوفى: 507 هـ ).
  • ذخيرة العقبى في شرح المجتبى، للشيخ محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي الوَلَّوِي.
  • الذريعة إلى مكارم الشريعة، لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى ( المتوفى: 502 هـ ).
  • الرد علي القائلين بوحدة الوجود، لأبي الحسن نور الدين، علي بن سلطان محمد الهروي القاري ( المتوفى: 1014 هـ ).
  • رسالة المعلم و آداب العالم و المتعلم، للدكتور عبد المجيد البيانوني.
  • روائع أبى حنيفة، و ما أدراك ما النعمان، للدكتور إسلام المازنى.
  • روح البيان، للمولى أبي الفداء إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي ( المتوفى: 1127هـ ).
  • روضة العقلاء و نزهة الفضلاء، لأبي حاتم، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، الدارمي، البُستي ( المتوفى: 354 هـ ).
  • زاد المسير في علم التفسير، لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي ( المتوفى: 597 هـ ).
  • الزهد الكبير للبيهقي، لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، البيهقي ( المتوفى: 458 هـ ).
  • الزهد لأحمد بن حنبل، لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني ( المتوفى: 241 هـ ).
  • الزهد و الرقائق لابن المبارك، للإمام أبي عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، التركي ثم المرْوزي ( المتوفى: 181 هـ ).
  • زهر الأكم في الأمثال والحكم، لأبي علي، الحسن بن مسعود بن محمد، نور الدين اليوسي ( المتوفى: 1102 هـ ).
  • سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد، للشيخ محمد بن يوسف الصالحي الشامي ( المتوفى: 942 هـ ).
  • سراج الطالبين علی منهاج العابدين، للشيخ إحسان محمد دَحلان الجمفِسي الكديري.
  • السعدية علی خلاصة الكيداني، لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (المتوفى: 793 هـ ).
  • سلسلة الآثار الصحيحة أو الصحيح المسند من أقوال الصحابة و التابعين، لأبي عبد الله الداني بن منير آل زهوي.
  • سنن ابن ماجه، للإمام ابن ماجه أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، وماجه اسم أبيه يزيد ( المتوفى: 273 هـ ).
  • سنن أبي داود، للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني ( المتوفى: 275 هـ ).
  • سنن الترمذي، للإمام محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبي عيسى ( المتوفى: 279 هـ ).
  • سنن الدارمي، لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهرام بن عبد الصمد الدارمي، التميمي السمرقندي ( المتوفى: 255 هـ ).
  • سنن النسائي، للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي ( المتوفى: 303 هـ ).
  • سوء الخلق، لمحمد بن إبراهيم بن أحمد الحمد.
  • سير أعلام النبلاء، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي ( المتوفى: 748 هـ ).
  • شرح ابن رجب للأربعين النووية، لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي ( المتوفى: 795 هـ ).
  • شرح الأشموني علی ألفية ابن مالك،  لأبي الحسن، علي بن محمد بن عيسى، نور الدين الأُشْمُوني الشافعي ( المتوفى: 900 هـ ).
  • شرح البخاري للسفيري = المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية صلى الله عليه و سلم من صحيح الإمام البخاري، لشمس الدين محمد بن عمر بن أحمد السفيري الشافعي ( المتوفى: 956 هـ ).
  • شرح التفتازاني علی الأحاديث الأربعين النووية، لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ( المتوفى: 793 هـ ).
  • شرح الرضي علي الكافية، لنجم الدين محمد بن الحسن الرضي الإستراباذي (المتوفى: نحو 686 هـ).
  • شرح الشفا للقاري الهروي، لعلي بن سلطان محمد، أبي الحسن نور الدين الملا الهروي القاري ( المتوفى: 1014 هـ ).
  • شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمى بـ ( الكاشف عن حقائق السنن )، لشرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي ( 743 هـ ).
  • شرح كتاب سيبويه للسيرافي، لأبي سعيد السيرافي الحسن بن عبد الله بن المرزبان ( المتوفى: 368 هـ ).
  • شعب الإيمان، لأبي بكر، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، البيهقي ( المتوفى: 458 هـ ).
  • صب الخمول على من وصل أذاه إلى الصالحين من أولياء الله، لجمال الدين، يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن ابن عبد الهادي الصالحي، ابن المِبْرَد الحنبلي (المتوفى: 909 هـ).
  • صحيح البخاري، لإمام المحدثين محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبي عبد الله ( المتوفى: 256 هـ ).
  • صحيح مسلم، للإمام مسلم بن الحجاج أبي الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 261 هـ).
  • صيد الخاطر، لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597 هـ).
  • الطبقات السنية في تراجم الحنفية، لتقي الدين بن عبد القادر التميمي الداري الغزي ( المتوفى: 1010هـ ).
  • طبقات الشافعية الكبری، لتاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي (المتوفى: 771 هـ).
  • العاقبة في ذكر الموت و الآخرة، للحافظ عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسين بن سعيد إبراهيم الأزدي، الأندلسي الأشبيلي، المعروف بابن الخراط (المتوفى: 581 هـ).
  • العرف الشذي شرح سنن الترمذي، لمحمد أنور شاه بن معظم شاه الكشميري الهندي ( المتوفى: 1353 هـ ).
  • العزلة ، لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي المعروف بالخطابي ( المتوفى: 388 هـ ).
  • العقد الفريد، لأبي عمر، شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه ابن حبيب ابن حدير بن سالم المعروف بابن عبد ربه الأندلسي ( المتوفى: 328 هـ ).
  • العلل لابن أبي حاتم، لأبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم ( المتوفى: 327 هـ ).
  • عيون الأخبار، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ( المتوفى: 276 هـ ).
  • غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب، لشمس الدين، أبي العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي ( المتوفى : 1188 هـ ).
  • الغرباء، لأبي بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجُرِّيُّ البغدادي ( المتوفى: 360 هـ ).
  • الفتاوي الهندية، لمجموعة من العلماء.
  • فتح المنان شرح و تحقيق كتاب الدارمي، لأبي عاصم، نبيل بن هاشم بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد الغمري.
  • الفردوس بمأثور الخطاب، لشيرويه بن شهردار بن شيرو يه بن فناخسرو، أبو شجاع الديلميّ الهمذاني ( المتوفى: 509 هـ ).
  • الفقه الحنفي في ثوبه الجديد، لعبد الحميد محمود طهماز.
  • الفوائد العجيبة في إعراب الكلمات الغريبة، للعلامة ابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي ( المتوفى: 1252 هـ ).
  • الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني (المتوفى: 1250 هـ).
  • الفوائد و الأخبار، لأبي علي، الحسن بن الحسين بن حمكان الهمذاني ( المتوفى: 405 هـ ).
  • فيض القدير شرح الجامع الصغير، لزين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031 هـ).
  • القاموس المحيط، لمجد الدين أبي طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى ( المتوفى: 817 هـ ).
  • القواعد الفقهية و تطبيقاتها في المذاهب الأربعة، للدكتور محمد مصطفى الزحيلي.
  • قوت القلوب في معاملة المحبوب و وصف طريق المريد إلى مقام التوحيد، لأبي طالب، محمد بن علي بن عطية الحارثي، المكي ( المتوفى: 386 هـ ).
  • الكامل في ضعفاء الرجال، لأبي أحمد عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد ابن مبارك بن القطان الجرجاني ( المتوفى: 365 هـ ).
  • كتاب التعريفات، لعلي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني ( المتوفى: 816 هـ ).
  • الكتاب لسيبويه، لإمام النحاة عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبي بشر، الملقب سيبويه ( المتوفى: 180 هـ ).
  • كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم، لمحمد بن علي ابن القاضي محمد حامد بن محمّد صابر الفاروقي الحنفي التهانوي ( المتوفى: بعد 1158 هـ ).
  • كشف الخفاء و مزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، لأبي الفداء، إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي الجراحي العجلوني الدمشقي (المتوفى: 1162 هـ).
  • كشف الغطاء عن طريقة التحصيل عند العلماء، للدكتور أحمد التجاني ثاني سعد الأزهري.
  • الكشف و البيان عن تفسير القرآن = تفسير الثعلبي، لأبي إسحاق، أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ( المتوفى: 427 هـ ).
  • كنز العمال في سنن الأقوال و الأفعال، لعلاء الدين علي بن حسام الدين ابن قاضي خان القادري الشهير بالمتقي الهندي ( المتوفى: 975هـ ).
  • اللباب في علوم الكتاب، لأبي حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني ( المتوفى: 775 هـ ).
  • لماذا يحزن الناس؟ لسيد مبارك.
  • لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح، للشيخ عبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدِّهلوي الحنفي ( المتوفى:1052 هـ ).
  • متخير الألفاظ، لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي (المتوفى: 395 هـ).
  • مجری الأنهر علی ملتقی الأبحر، لنور الدين محمود بن بركات بن محمد الباقاني الدمشقي ( المتوفی: 1003 هـ ).
  • مجمع الأمثال، لأبي الفضل أحمد بن محمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري (المتوفى: 518 هـ).
  • مجمع الزوائد و منبع الفوائد، لأبي الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي ( المتوفى: 807 هـ ).
  • المجموع شرح المهذب، للإمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ).
  • محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء، لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى ( المتوفى: 502 هـ ).
  • مختصر منهاج القاصدين، لنجم الدين، أبي العباس، أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي ( المتوفى: 689 هـ ).
  • مداراة الناس، لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا ( المتوفى: 281 هـ ).
  • مدح السعي و ذم البطالة، للمولی شمس الدين، أحمد بن سليمان بن كمال باشا (المتوفي: 940 هـ).
  • المدخل إلى السنن الكبرى، لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني البيهقي ( المتوفى: 458 هـ ).
  • المدخل إلى طلب العلم، لزهران بن إبراهيم كاده.
  • مرآة الزمان في تواريخ الأعيان، لشمس الدين أبي المظفر يوسف بن قِزْأُوغلي بن عبد الله المعروف بـ « سبط ابن الجوزي » ( المتوفي: 654 هـ ).
  • مراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح، لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي المصري الحنفي ( المتوفى: 1069 هـ ).
  • مرجع الطلاب في الإعراب، لإبراهيم شمس الدين.
  • مرقاة المفاتيح، لأبي الحسن، نور الدين، علي بن سلطان محمد، الهروي القاري (المتوفى: 1014 هـ).
  1. مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء للشمني، للعلامة أحمد بن محمد بن محمد الشمنى ( المتوفى: 873 هـ ).
  2. المساعد على تسهيل الفوائد، لبهاء الدين بن عقيل.
  3. المسالِك في شرح مُوَطَّأ مالك، للقاضي محمد بن عبد الله أبي بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي ( المتوفى: 543 هـ ).
  4. المستقصی في أمثال العرب، لأبي القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله ( المتوفى: 538 هـ ).
  5. مسندابن الجعد،لعلي بن الجَعْد بن عبيد الجَوْهَري البغدادي (المتوفى: 230 هـ).
  6. مسند أبي حنيفة لابن خسرو، لأبي عبد الله الحسين بن محمد بن خسرو البلخي ( 522 هـ ).
  7. مسند أحمد، لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241 هـ).
  8. مسند الشهاب، لأبي عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي بن حكمون القضاعي المصري ( المتوفى: 454 هـ ).
  9. المسند لعبد الله بن وهب، لأبي محمد عبد الله بن وهب بن مسلم المصري القرشي ( المتوفى: 197 هـ ).
  10. مشارق الأنوار الوهاجة و مطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه، لمحمد بن علي بن آدم بن موسى.
  11. مشارق الأنوار الوهاجة و مطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه، لخادم العلم بالحرم المكي الشريف، محمد بن علي بن آدم بن موسى.
  12. مشكاة المصابيح ، لأبي عبد الله، محمد بن عبد الله الخطيب العمري، ولي الدين، التبريزي ( المتوفى: 741 هـ ).
  13. المشيخة، لأبي الحسين محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن علي الصيرفي، ابن الآبَنُوْسِيِّ البغدادي ( المتوفى: 457 هـ ).
  14. المصنف، لأبي بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي ( المتوفى: 235 هـ ).
  15. المصنف، لأبي بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (المتوفى: 211 هـ).
  16. المطالب العالية بزوائد المسَانيد الثّمَانية، لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني ( المتوفى: 852 هـ ).
  17. المطالب العالية من العلم الإلهيّ، لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخرالدين الرازي خطيب الري (المتوفى: 606 هـ).
  18. معالم إرشادية لصناعة طالب العلم، للمحدث العلامة محمد عوّامة.
  19. معاني النحو، للدكتور فاضل صالح السامرائي.
  20. معجم ابن الأعرابي، لأبي سعيد بن الأعرابي أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم البصري الصوفي ( المتوفى: 340 هـ ).
  21. المعجم الجامع في تراجم المعاصرين، لأعضاء ملتقى أهل الحديث.
  22. معجم الرائد، لجبران مسعود.
  23. معجم الغني الزاهر، للدكتور عبدالغني أبي العزم.
  24. معجم القواعد العربية، لعبد الغني بن علي الدقر ( المتوفى: 1423هـ ).
  25. المعجم الكبير للطبراني، لأبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، الطبراني ( المتوفى: 360 هـ ).
  26. معجم اللغة العربية المعاصرة، للدكتور أحمد مختار عبد الحميد عمر ( المتوفى: 1424 هـ ).
  27. المعجم المحيط، لأديب اللجمي- شحادة الخوري – البشير بن سلامة – عبد اللطيف عب – نبيلة الرزاز.
  28. معجم المصطلحات النحوية و الصرفية، للدكتور مروان العطیّة.
  29. المعجم المفصّل في الإعراب، لطاهر يوسف الخطيب.
  30. المعجم المفصل في النحو العربي، لعزيزة فوّال بابستي.
  31. معجم النحو، لعبد الغني بن علي الدقر ( المتوفى: 1423 هـ ).
  32. المعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية بالقاهرة ( إبراهيم مصطفى / أحمد الزيات / حامد عبد القادر / محمد النجار ).
  33. المعجم لابن المقرئ، لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم بن زاذان الأصبهاني الخازن، المشهور بابن المقرئ ( المتوفى: 381 هـ ).
  34. مفاتيح الغيب = التفسير الكبير أو تفسير الرازي، لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري ( المتوفى: 606 هـ ).
  35. مفتاح السعادة و مصباح السيادة في موضوعات العلوم، لأحمد بن مصطفى بن خليل، أبو الخير، عصام الدين طاشْكُبْری زَادَهْ ( المتوفى: 968 هـ ).
  36. مفردات من الحضارة الإسلامية، لمحمد راجي حسن كنّاس.
  37. المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، لأبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي ( 656 هـ ).
  38. المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، لشمس الدين أبي الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي ( المتوفى: 902 هـ ).
  39. مقالات موقع المنهج، لمجموعة من المؤلفين.
  40. المقفى الكبير، لتقي الدين أحمد بن علي المقريزي ( المتوفى: 845 هـ ).
  41. من أدب الاسلام، للشيخ المربي عبد الفتاح أبي غدة الحلبي الحنفي ( المتوفى: 1417 هـ ).
  42. من أسرار التنزيل، لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري ( المتوفى: 606 هـ ).
  43. من صحاح الأحاديث القدسية مائة حديث قدسي، للمحدث العلامة محمد عوّامة.
  44. مناقب الإمام الشافعي، لأبي بكر بن أحمد بن محمد بن عمر الأسدي الشهبي الدمشقي، تقي الدين ابن قاضي شهبة ( المتوفى: 851 هـ ).
  45. المنتقى شرح الموطإ، لأبي الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي القرطبي الباجي الأندلسي ( المتوفى: 474 هـ ).
  46. منتهى السؤل على وسائل الوصول، لعبد الله بن سعيد بن محمد عبادي اللّحجي الحضرميّ الشحاري، ثم المراوعي، ثم المكي ( المتوفى: 1410هـ ).
  47. منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل، للعلامة محمد محيي الدين عبدالحميد.
  48. المنقذ من الضلال،لأبي حامد محمدبن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى:505 هـ).
  49. منهاج الراغب إلی إتحاف الطالب، للشيخ أبي بكر ابن الشيخ محمد الملا الأحسائي ( المتوفي: 1270 هـ ).
  50. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للإمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي ( المتوفى: 676 هـ ).
  51. المنهاج في القواعد و الإعراب، لمحمّد الأنطاكي.
  52. المهذب في الآداب الإسلامية، لعلي بن نايف الشحود.
  53. المؤتَلِف و المختَلِف، لأبي الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار البغدادي الدارقطني ( المتوفى: 385 هـ ).
  54. موسوعة الأخلاق الإسلامية، لمجموعة من الباحثين.
  55. موسوعة الأخلاق، لخالد بن جمعة بن عثمان الخراز.
  56. موسوعة البحوث و المقالات العلمية، لعلي بن نايف الشحود.
  57. الموسوعة الشاملة في النحو و الصرف، لأيمن أمين عبدالغني.
  58. موسوعة الشعر الإسلامي، لعلي بن نايف الشحود.
  59. موسوعة النحو و الصرف و الإعراب، للدكتور إميل بديع يعقوب.
  60. ميزان العمل، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي ( المتوفى: 505 هـ ).
  61. نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار، لابن حجر العسقلاني (المتوفی:852 هـ).
  62. النجوم الزاهرة في ملوك مصر و القاهرة، لأبي المحاسن، جمال الدين، يوسف بن تغري بردي بن عبد الله الظاهري الحنفي ( المتوفى: 874 هـ ).
  63. النحو الواضح في قواعد اللغة العربية، لعلى الجارم و مصطفى أمين.
  64. النحو الوافي، لعباس حسن.
  65. نظم العقيان في أعيان الأعيان، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ( المتوفى: 911 هـ ).
  66. نظم اللآل في الحكم و الأمثال، لعبد الله فكري «باشا» بن محمد بليغ بن عبد الله بن محمد ( المتوفى: 1306 هـ ).
  67. نماذج من وصايا الإمام الأعظم، للشيخ محمد بن أحمد عاموه.
  68. نهاية الأرب في فنون الأدب، لأحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التيمي البكري، شهاب الدين النويري ( المتوفى: 733 هـ ).
  69. نهاية المراد في شرح هدية ابن العماد، للعارف بالله عبدالغني بن إسماعيل النابلسي الحنفي ( المتوفی: 1143 هـ ).
  70. النهاية في غريب الحديث و الأثر،  لمجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد الشيباني الجزري ابن الأثير ( المتوفى: 606 هـ ).
  71. الهادي إلی رياض الفقه و الفقهاء، لسلمی بنت المفتي مجيب الرحمن الديروي.
  72. هداية الرفيق إلی سلوك الطريق، للشيخ عبدالعزيز الشهاوي.
  73. همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، لعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي ( المتوفى: 911 هـ ).
  74. الوسيط في تفسير القرآن المجيد، لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي ( المتوفى: 468 هـ ).
  75. الوسيلة في شرح الفضيلة، لمفتي الديار العراقية الشيخ عبدالكريم محمد المدرس.
  76. يتمة الدهر في محاسن أهل العصر، لأبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي ( المتوفى: 429 هـ ).

[1]ـ افتتح شيخنا العلامة حفظه الله تعالی و دامت بركاته، رسالته النفيسة – و هي يسيرة من كثيرة من تأليفاته الزاهرة، و آثاره الباهرة، التي نفع الله تعالی بها البلاد و العباد، و قد جمعها العبد الضعيف بنظم، في رسالة مسماة بــ «إرشاد الإخوان إلی تأليفات أستاذنا الشيخ عبدالرحمن» – بالبسملة و الحمدلة، الكلام في معناهما، و إعرابهما و سبب الابتداء بهما، و فضائلهما، و خصائصهما، مما طفحت به بطون الدفاتر، حتی صار عند الخاص و العام من المستفيض المتواتر، فلاحاجة إلی الإطالة، و ليرجع إليها أهل البَطالة – الشّجاعة – غير أنه لابأس بذِكر عدّة كتب للمراجعة، منها فتحُ الله بخائص الاسمِ الله، في مجلَّدَين ضَخمَين لزبدة المحقِّقِين الشيخ العلامة محمد موسی الروحاني البازِي، و خزينة الأسرار الكبری، جمعَها السَّيِّد محمد حقي النازلي،  و أوائلُ – المجموعةِ البهية علی العوامل الجرجانيّة و البـَركويّة، و شروحُ العوامل للجرجاني و البركوي، كلاهما لمجموعة مِن المؤلفين، و مقدماتُ معارفِ السُّنن شرح سنن الترمذي، لمحدّث العصر السَّـيّد محمد يوسف البنّوري، و تحفةِ المريد شرح جوهرة التوحيد، للشيخ إبراهيم البَيجُوري، و عيونِ النكات شرح شروط الصلوة، للمحقق البَحّاثة أبي الأسفار علي محمد البلخي، و البدرِ الأسطع و التقرير الأنفع علی كتاب المَطلَع، للشيخ مصطفي بن أحمد، و غيرُها مِن الشروح و الحواشي. و ألّـفوا في البسملة خاصّةً كتباً و رسائلَ كثيرةً، و قد عَدَّ مائة و خمسة و عشرين ( 125 ) منها د. هاني الـبُـرَعي، في مقدمة تحقيقه لكتاب الإمام العلامة محيي الدين محمد بن سليمان الحنفي الكافيَجِي، المسمی بـــ ( التذكرة لأولي الألباب في مسائل البسملة و الاستعاذة ) فليرجع إليه. 

2ـ من أسماء الله الحسنی، و هو الـمُقدِّر و الـمُصوِّر و الـمُوجِد، و قد ورد ذكر الخالق تعالی جلَّ شأنُه في التّـنزيل العزيز ثماني مرّات، في هذه السُّوَر { الأنعام : 102 ، و الرعد : 16 ، و الحجر : 28 ، و فاطر : 3 ، و ص : 71 ، و الزمر : 62 ، و غافر : 62 ، و الحشر : 24 } كما ذَكرَ التنزيلُ العزيز صفةَ الخَلَّاق مرتين علی صيغة المبالغة في سورَتَي { الحجر : 86 ، و يس : 8 }. انظر ( مفردات من الحضارة الإسلامية ص 225 ، 226 ).

[3] ـ أي الـمُقدَّس عن النَّقائِص و العُـيُوب. ( شرح التفتازاني علی الأحاديث الأربعين النووية ص 36 ).

[4] ـ في التَّاج : الصلاةُ من الله الرّحمةُ، و من الملائكة الاستغفارُ، و من الـمُؤمنين الدّعاءُ، و من الطّير و الهَـوامِّ التسبيحُ انتهى.

فأمَّا قولُنا: اللَّهمَّ صَلِّ عَلَى محمَّد فمعناه: عظّمْه في الدّنيا بإعْلاءِ ذِكْرِه، و إظهارِ دَعْوته، وَ إِبْقاءِ شَريعَته، و في الْآخِرَةِ بتَشْفِيعه في أمَّته، و تَضْعِيفِ أجْرِه و مَثُوبَتِه. كذا قال ابن الأثير، و الصحيح أَنَّه خاصٌّ له فلا يقال لغيره إلّا تبعاً. و قيل : الرحمة، و قيل : معنى الصلاة على النبي الثّناءُ الكاملُ، إِلّا أنّ ذلك ليس في وسعِ العِباد، فأمرنا أَن نوكِّل ذلك إلى الله تعالى. انظر ( السعدية علی خلاصة الكيداني، و النهاية في غريب الحديث و الأثر ج 3 ص 50 ، و كشاف اصطلاحات الفنون ج 3 ص 76 ).

[5] ـ اسم من التَّسليم، و قيل : مصدرٌ ثلاثي أو مَزيد و الأول أصح، و المعنی جعلَهُ اللهُ تعالی سالمِاً مِن كُلِّ مَكروه. و أردفت الصلاة به امتثالا لقوله تعالی: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) { الأحزاب : 56 }. ينظر ( جامع المباني للقهستاني ص 4 ، و منهاج الراغب إلی إتحاف الطالب ص 29 ).

ثم إنهما عبادتان مستقلّتَان لايكره انفراد إحداهُما، و إن كان الأَولی و الأَفضل جمعُـهما. هذا مُلخّص ما حقّقه العلامة الملا علي القاري في رسالته ( إفراد الصلاة عن السلام هل يكره أو لا ؟ ص 309 ) انظر رقم الرسالة { 35 } من مجموعة رسائله.

قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالی: ما مِن نعمة نِلنا بها خيراً، أو دفع بها عنا شرّاً في الدنيا و الآخرة، إلا و سببها رسول الله صلی الله عليه و سلم.

و التعلّق به – صلوات الله و سلامه عليه – إنما يكون بالمحبةِ، و المتابعةِ، و دوامِ الصلاة و السلام عليه صلی الله عليه  و سلم، و فضلُها عظيم، و بركاتُها جمّة، لأنها علی قدره صلی الله عليه و سلم، و لايحيط به إلا ربُّه عز و جل. انظر ( مجموع تأليفات الشيخ الشهاويهداية الرفيق إلی سلوك الطريق ص 43 ، 44  ).

[6] ـ النبي: هو لفظٌ منقولٌ في عرف الشَّرع عن معناهُ اللُّغوي، فَـقيل: هو في اللّغة الـمُنبِـئ مِن النّبإ، سُـمِّي به لإِنبائه عن الله تعالى، فهو حينئذٍ فعيلٌ بمعنى فاعل مَهمُوز اللَّام. قال سيبويه ليس أحدٌ من العرب إلّا و يقولُ: تنبّأَ مسيلمةُ بالهمزة، إِلّا أَنَّـهم تركُوا الهمزةَ في النَّبي، كما تركوه في الذُّرية، إِلّا أهل مكة فإِنّهم يهمزون هذه الأحرُف و لا يهمزون في غير هذه الأحرف، و يُخالِفون العرب في ذلك في أَنّهم لا يهمزون في غير هذه الأحرف، و جمعُ النبي نبآء. و قيل: من النُّبُوَّة و هو الارتِفاع، يقال تنبى فلان إِذا ارتفع و علا، سُـمِّي به لِعلوِّ شأنِه، فهو فعيلٌ بمعنى مفعول غير مهموز، و الجمعُ: الأنبياء. و قيل: من النَّبـي و هو الطَّريق، سـمّي به لأنّه طريقٌ إلى الله.

و أَمّا في الشَّرع فقال أهل الحقّ من الأشاعرة : هو من قال الله تعالى له: ممن اصطفاه من عباده، أو أرسلناك إلى قوم كذا، أو إلى الناس جميعاً أو بَلِّغهم عنِّـي، و نحوه من الألفاظ الدّالّة على هذا المعنى كبعـثـتـُك و نَبِّئهم.  و قال السيد السند الجرجاني: النبي: من أوحي إليه بملك، أو أُلهم في قلبه، أو نبه بالرؤيا الصّالحة، فالرسولُ أفضل بالوحي الخاصِّ الذي فوق وحي النبوة؛ لأن الرسول هو من أوحی إليه جبرائيل خاصة بتنزيل الكتاب من الله. انظر ( كشاف اصطلاحات الفنون ج 4 ص 165 ، و كتاب التعريفات ص 166 ). و من أراد التفصيل و الفرق بينه و بين الرسول، فليرجع إلی ( هداية الوصول  في بيان الفرق بين النبي و الرسول )، للفاضل العلامة مفتي البصرة المولی عبدالوهاب أفندي، طبعها من جديد الدار الشامية بتحقيق الدكتور محمد عمر هشام سَبْسُوبْ، و الأستاذ إبراهيم محمد بركات رَقوقي.

[7] ـ هذا من أشهر أسمائه صلی الله عليه و سلم، وردت به الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية، و أجمعت عليه الأمة المحمدية. و له عليه الصلاة و السلام أسماء كثيرة، من أراد الاطلاع عليها فليرجع إلی ( إبداء الخفاء في شرح أسماء المصطفی، للشیخ فخر الدین أبي الحسن علي بن أحمد الحَرالي ( المتوفی: 637 هـ )، و تذكرة المحبين شرح أسماء سيد المرسلين، للشيخ أبي عبدالله محمد بن قاسم الرصَّاعْ ( المتوفی: 894 )، و فخر الأبرار في بعض ما في اسم سيدنا محمد المختار مِن الأسرار، للشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن شرف الدين الخليلي ( المتوفی: 1147 هـ )، و عقد الزّبرجَد من حروف سيدنا محمد، للشيخ عبدالوهاب بن أحمد بن بركات الأحمدي، من علماء القرن الثاني عشر. كلها بتحقيق الشيخ أحمد فريد المزيدي.

[8] ـ علی صيغة فَـعُول للمُبالغة، بمعنی الرَّحيم. و فيه تلميحٌ إلی قوله تعالی: ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ). { التوبة: 128 }.

[9] ـ الفرق بينَ الآل و الأَهل، و اختلافُ العلماء المحققين في معنی آل النبي صلی الله عليه و سلم، و في المراد منه علی أقوالٍ كثيرةٍ، مذكورةٌ بما لا مزيد عليه، في « النهج السهل إلی مباحث الآل و الأهل » للشیخ محمد موسی الروحاني البازي رحمه الله تعالی، فليرجع إليه. و هو كما قال مؤلفه في مقدمته: فهذا كتاب نافع لأولي الألباب .. كتاب فريد، لم تر العيون نظيره في كتب المتقدمين، و لم يقف أحد علی مثيله في أَسفار المتأخرين.

[10] ـ الصحابي: كل من رأی النبي صلی الله عليه و سلم، أو رآه النبي صلی الله عليه و سلم و آمن به و مات علی ذلك، هذا هو الصحيح. انظر ( مجری الأنهر علی ملتقی الأبحر ج 1 ص 19 ، و نهاية المراد في شرح هدية ابن العماد ج 1 ص 7 ).

[11] ـ القلب لغة: صرف الشيء إلی عكسه، و منه المقلوب، سمي به لكثرة تقلبه، و له ظاهِرٌ و هو: المضغة الصنوبرية المودعة في التجويف الأيسر من الصدر، و هو محل اللطيفة الإنسانية، و لذا نسب إليه الصلاح و الفساد.

و باطِنٌ: و هو اللطيفةُ الرّوحانية النُّورانية الرّبَّانية العالمة التي هي مهبط أنوار الإلهية، و بها يكون الإنسان إنسانا، و بها يستعد لامتثال الأوامر و النواهي، و بها صلاح البدن و فساده، و هي خلاصة تولدت من الروح الروحاني و يعبر عنها بالنفس الناطقة، ( وَ نَفْسٍ وَ مَا سَوَّاهَا ) { الشمس: 7 }، و الروح ( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) { الإسراء: 85 }، و هي مقر الإيمان ( أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ ) { المجادلة: 22 }، كما أن الصدر محل الإسلام، ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ) { الزمر: 22 }، و ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ) { الأنعام: 125 }. و الفؤاد مقر المشاهدة: ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) { النجم: 11 }، و اللب مقام التوحيد: ( إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) { الرعد: 19 }. أي: الذين أخرجوا من قشر الوجود المجازي و بقوا بلب الوجود الحقيقي، لكن معرفته كما هي متعذرة، و الإشارة إلی حقيقتها علی أرباب الحقائق متعسرة. انظر ( شرح التفتازاني علی الأحاديث الأربعين النووية ص 95 ).

ورد ذكرُ القلب السليم في كتاب الله عز وجل مرتين في قوله تعالى: { إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [ الصافات: 84 ] و في قوله تعالى: { إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [ الشعراء: 89 ]. قال ابن الجوزي رحمه الله تعالی: و فيه ستة أقوال: أحدها: سليم من الشِّرك، قاله الحسن و ابنُ زيد. و الثاني: سليم من الشَّكّ، قاله مجاهد. و الثالث: سليم، أي صحيح، و هو قلب المؤمن، لأن قلب الكافر و المنافق مريض، قاله سعيد بن المسيب. و الرابع: أن السَّليم في اللغة: اللّديغ، فالمعنى: كاللّديغ من خوف الله عزّ و جلّ، قاله الجنيد. و الخامس: سليم من آفات المال و البنين، قاله الحسين بن الفضل. و السادس: سليم من البدعة، مُطْمئنّ على السُّنَّة، حكاه الثعلبي. انظر ( زاد المسير في علم التفسير ج 3 ص 342 ).

أقول: و فيه أقوال كثيرة، مذكورة في ( حقائق التفسير للسلمي ج 2 ص 78 – 80 ). و أصح الأقوال علی ما قاله الإمام الرازي: أن المراد منه سلامة القلب عن الجهل و الأخلاق الرذيلة، و ذلك لأنه كما أن صحةَ البدن و سلامَته عبارة عن حصول ما ينبغي من المزاج و التركيب و الاتصال، و مرضَه عبارة عن زوال أحد تلك الأمور، فكذلك سلامة القلب عبارة عن حصول ما ينبغي له، و هو العلم و الخلق الفاضل، و مرضه عبارة عن زوال أحدهما فقوله : { إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }، أن يكون خالياً عن العقائد الفاسدة، و الميل إلى شهوات الدنيا و لذاتها. ينظر ( مفاتيح الغيب ج 24 ص 517 ).

و سئل أبو القاسم الحكيم عن القلب السليم، فقال: له ثلاث علامات، أولها: أن لا يؤذي أحداً، و الثاني: أن لا يتأذى من أحد، و الثالث: إذا اصطنع معروفا إلى أحد لم يتوقع منه المكافأة، فإذا هو لم يؤذ أحداً، فقد جاء بالورع، و إذا لم يتأذ من أحد، فقد جاء بالوفاء، و إذا لم يتوقع المكافأة بالاصطناع، فقد جاء بالإخلاص. انظر ( بحر العلوم للسمرقندي ج 2 ص 559 ، و روح البيان ج 6 ص 287 ).

و سئل واحد عن القلب السليم فقال : هو الذى دينه بلا شك، و مذهبه بلا هوى، و عمله بلا رياء، و بدنه بلا خصم. ( من أسرار التنزيل ص 124 ).

[12] ـ أفرد التأليف في مباحث هذه الكلمة أيضا العلامة المذكور ( الروحاني ) رحمه الله تعالی باسم « النجم السعد فی مباحث أما بعد »، و قد جمع فيه مباحث فصل الخطاب و أسرارَه، و الأقوالَ في أولِ قائله، و حكمَه الشرعي، و بسطَ فيه الوجوهَ الإعرابية، و أنواعَ التراكيب النحوية المتعلة بأما بعد و بأصله. حتی انتهت تلك الوجوهُ إلی مليون و ثلاثمائة ألف وجه و تسعة و ثلاثين ألف وجه و سبعمائة و أربعين وجهاً، ( 1339740 ) و فيه تحقيقاتٌ بديعةٌ، و تدقيقاتٌ رفيعةٌ مفيدةٌ، غير تلك المباحث و المسائل التي ما سبق إلی مثلها أحدٌ من المصنفين. فطوبی لـمن ظـفـر بنسخة منه!.

[13] ـ علی صيغة فَـعيل، و له معانٍ متقاربةٌ متداخلةٌ: محبوبٌ، شريفٌ، مُكرَّمٌ، قليلٌ نادرٌ لا يكادُ يُـوجدُ. و العزيزُ مِن أسماء الله الحسنی أيضاً، و معناه حینئذ: الغالب الذي لا يُقهر. كذا في معجم الغني و الرائد و الوسيط.

[14] ـ هكذا في أصل المخطوط، فيصلح لكل واحد من تلاميذه، و إن كان سبب التأليف فرداً خاصّاً منهم.

[15] ـ كان الشيخ أبو إسحاق  – الشيرازي رحمه الله – يقول: من قرأ عليَّ مسألةً فهو ولدي. و قال الإمام الزرنوجي: مَن علَّمَك حرفاً واحداً مِـمَّا تَحتاج إليه فى الدين، فهو أبوك فى الدين.

و يقال: الآباء ثلاثة:  1 – أبٌ جئتَ مِن صُلبه: و هذا والدُ النّسب. 2 – و أبٌ يُزوِّجك ابنَته: و هذا صهرُك، والد زوجتِك و سمي أباً لأنه أكرَمك بابنتِه، و ضَمَّك إليها فصِرتَ عنده بمنزلتها. 3 – و أبٌ يُـعلِّمك: و هذا أبٌ لروحِك، و هو خيرُ الآباءِ الثلاثة. انظر ( طبقات الشافعية الكبری للسبكي ج 4 ص226 ، و تعليم المتعلم ص 56 ، و حسن التفهم علی تعليم المتعلم ص 89 ). و قد رجّح كثيرٌ من الحكماء حقَّ العالم على حقِّ الوالد، حتّى قال بعضهم:

مَن علّم الناسَ كانَ خيرَ أبٍ

 ذاك أبو الروحِ لا أبُو الجيف

و ذلك لأَنَّ حياةَ الرُّوح بالعلم، وحياةَ الجسَد بِالروح، فالعلمُ مادّةُ الروحِ الإنسانيّ، كما أنَّ النطفةَ مادّةُ الجسد، و الروحِ الحيوانيّ، و الروحُ الإنسانيّ أفضلُ الأرواح، فمِن ثَـمَّ كان المعلِّمُ خيرَ الآباء.

و قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالی: …صار حقّ المعلم أعظمَ مِن حقّ الوالدين، فإِنَّ الوالد سببُ الوجودِ الحاضرِ و الحياةِ الفانيةِ، و المعلِّمَ سببُ الحياةِ الباقية. و لولَا المعلِّم لانساق ما حصلَ مِن جهة الأب إلى الهلَاكِ الدائم، و إنما المعلِّمُ هو المفيدُ للحياة الأخروية الدائمة، أعني معلمَ علومِ الآخرة أو علومَ الدنيا على قصد الآخرة لا على قصد الدنيا. فأمّا التعليم على قصد الدنيا فهو هلاك و إِهلاك نعوذُ بالله منه. انظر ( رسالة المعلم و آداب العالم و المتعلم ص 108 ، و إحياء علوم الدين ج 1 ص 85 ).

و قيل للإسكندر: إنك تُـعظِّم معلِّمَك أكثرَ مِن تعظيمِك لأبيك، فقال: لأن أبي سببُ حياتي الفانية، و مُـؤَدِّبي سببُ الحياة الباقية. ( محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء ج 1 ص 66 ).

و في الفتاوي الهندية ( ج 5 ص 378 ) و َيُقَدِّمُ حَقَّ مُعَلَّمِهِ عَلَى حَقِّ أَبَوَيهِ وَ سَائِرِ الْمُسلِمِين. و قال بعض الحكماء: حقُّ الأستاذ أوكدُ من حقِّ الوالد، فإن الوالد وسيلةُ فيضانِ صورةِ الإنسان، و الأستاذ وسيلةُ التحقق بحقيقة كمال الإنسان.

حتی قال يحيى بن معاذ: العلماء أرحم بأمة محمد – صلى الله عليه و سلم – من آبائهم و أمهاتهم، قيل: كيف ذلك؟ قال: لأن آباءهم و أمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، و هم يحفظونهم من نار الآخرة. ( شرح البخاري للسفيري ج 2 ص 140 ، و إحياء علوم الدين ج 1 ص 11 ).

[16] ـ نَصحَ تلاميذَه: أرشدَهُم، وَعَظَهُم. النَّصيحةُ: قولٌ فيه دعوةٌ سديدةٌ، و إرشاد، و وعظٌ إلی صلاح، و نهيٌ عن فساد. كذا في ( معجم الغني الزاهر ). لله درُّ خير مَن خلَف، حيثُ تبع السَّلفَ فنصحَ. قال الإمام زُفَر: جالستُ أبا حنيفة – رحمهما الله تعالی – أكثرَ من عشرين سنةً فلم أرَ أحداً أنصحَ للنَّاس منه و لا أشفقَ عليهم منه. ( روائع أبي حنيفة ص 9 ).

و قال أبو يوسف رحمه الله تعالی: اجتمعنا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالی في يوم مطير في نفر من أصحابه.. فأقبل علينا و قال: أنتم مسارُّ قلبي و جلاء حزني. ( نماذج من وصايا الإمام الأعظم – وصيته لأصحابه ص 59 ). فانظر إلی الكلمات التي استعملها إمام الأئمة العظام، و تتبعه المؤلف الهُمام بقوله: العزيز، ابني، قرة عيني، فرحة قلبي، ثمرة جهدي. جزاهم الله خيرا و رضِي عنهم.

و للإمام الأعظم رضي الله تعالی عنه وصايا كثيرة، قال الإمام برهان الدين الزرنوجي رحمه الله تعالی، في كتابه القيم ( تعليم المتعلم ): و ينبغي لطالب العلم أن يحصل كتاب الوصية التي كتبها أبوحنيفة رضي الله عنه، ليوسف بن خالد السمتي عند الرجوع إلى أهله، يجده من يطلبه، و قد كان أستاذنا شيخ الإسلام برهان الدين، علي بن أبي بكر قدس الله روحه العزيز، أمرَني بكتابته، عند الرجوع إلى بلدي، فكتبتُه، و لابد للمدرِّس و الـمُفتي في معاملات الناس منه!. و ها أنا أُدرِجُها هنا لفوائدها الكثيرة لأهل العلم، كما عرفتَ لزومها بأقوال الأئمة الكرام.

تنبيه: في النسخ القديمة – ليونس بن خالد – و هو من خطأ النُّسّاخ، كما أشار إليه سيدي و أستاذي عبد الخالق التوكلي حفظه الله في ( فتح المنعم بشرح تعليم المتعلم ص 48 ) و هو كتاب جميل، حيث كشفَ أستاره، و أصلحَ أشعاره، و أرسل إليّ نسخة منه، تشريفا منه للعبد الفقير، عند ما درّستُ تعليم المتعلم، وفَّـقـه الله تعالی لتبييضه، و قد فرغَ من تسويده، بشفائه العاجِل في العاجِل، و أجرِه الجزيلِ في الآجِل.

و قد اشتبه الأمر أيضا للشيخ الخيمي و الشیخ حمدان في تحقيق تعليم المتعلم، عند توضيح كتاب الوصية التي كتبها الإمام للسمتي. انظر ( تعليم المتعلم ص 44، الطبعة الثالثة من دار ابن كثير ) بتحقیقهما.

نص الوصية

بعدَ أَن أخذَ يوسفُ بنُ خالِد السَّمتيّ العلمَ عن أبي حنيفةَ رحمه الله و أراد الرجوع إلى بلدته البصرة استأذن أبا حنيفة في ذلك، فقال له أبو حنيفة رحمه الله: حتى أزوّدك بوصية [ حتی أتقدم إليك بالوصية ] فيما تحتاج إليه في معاشرة الناس، و مراتب أهل العلم، و تأديب النفس، و سياسة الرعية، و رياضة الخاصّة و العامّة، و تفقُّد أمر العامة، حتى إذا خرجتَ بعلمك كان معك آلةٌ تصلح لك، و تَزينك و لاتُشينك. و اعلم أنك متى أسأت عِشْرةَ الناس صاروا لك أعداءً، و لو كانوا لك أمهاتٍ و آباءً، و متى أحسنتَ العِشرة من أقوام ليسوا لك أقرباء صاروا لك أقرباء.

ثم قال لي: اصبر يومًا حتى أفرِّغ لك نفسي، و أجمعَ لك هِـمَّتـي، و أُعرِّفَك من الأمر ما تحمَدُني و تجعَلَ نفسك عليه، و لا توفيقَ إلا بالله، فلمّا مضى الميعادُ قال: أنا أَكشِفُ لك عمّا عزَمتَ علیه: كأني بك، و قد دخلتَ البصرةَ، و أقبلتَ على المناقضة مع مُخالفیک، و رفعتَ نفسك عليهم، و تطاولتَ بعلمِكَ لديهِم، و انقبَضتَ عن معاشرتهم و مُخالطتهم، و خالفتهم و خالفوك، و هجرتَهم فهجروك، و شتَمتـهُم فشتموك، و ضلَّلتهم فضلَّلوك، و بدَّعتَهُم فبدَّعوك، و اتَّصل ذلك الشَّيْنُ بنا و بك، و احتجتَ إلى الهرب و الانتقال عنهم، و ليس هذا برأي، فإنه ليس بعاقلٍ مَنْ لم يُدارِ مَنْ ليس له من مداراته بُدٌّ حتى يجعل الله تعالى له مخرجاً.

قال السمتِيُّ: و لقد کنتُ مزمِعاً علی ما قال: ثم قال أبوحنیفة رحمه الله تعالی: إذا دخلت البصرة و استقبلك الناس و زاروك، و عرفوا حقَّك، فأنزِل كلَّ رجلٍ منهم منزلته، و أكرِم أهل الشَّرف، و عظِّم أهلَ العلم، و وقِّر الشيوخ، و لاطف الأحداث، و تقَرَّب من العامة، و دَارِ الفُجَّار، و اصحبِ الأخيار، و لاتتهاون بالسُّلطان، و لاتحقرنَّ أحداً یقصدک، و لاتُقَصِّرَنَّ في إقامة مودَّتك إياهم، و لاتُخرِجَنَّ سرَّك إلى أحد، و لاتثقَنَّ بصُحبَةِ أحدٍ حتى تمتَحِنَه، و لاتُخادِم خسيسًا، و لا وضيعًا، و لاتقولَنَّ من الکلام  ما يُنكَر عليك في ظاهره، و إياكَ و الانبساطَ إلى السفهاء، و لاتُجِيبنَّ دعوةً، و لا تَقبلنَّ هدية. و عليك بالمداراة، و الصبر و الاحتمال، و حُسنِ الخلق، و سعة الصدر.

و استجدَّ ثيابك، و استفره دابتك، و أكثر استعمال الطيب، و قرِّب مجلسك، و ليكُن ذلك في أوقاتٍ معلومةٍ، و اجعل لنفسِك خَلوةً تَرُمُّ بها حوائجك، و ابحث عن أخبارِ حَشَمِكَ، و تقدَّم في تأديبهم و تقويمهم، و استعمل في ذلك الرفق، و لاتكثر العتاب فيهون العَذَلُ، و لاتَلِ تأديبهم بنفسك، فإنه أبقى لمائک و أَهیَبُ لک.

و حَافِظ على صلواتك، و ابذُل طعامك، فإنه ما سادَ بخيلٌ قطُّ، و لتكن لك بطانةٌ تعرِّفك أخبارَ الناس، فمتى عرفتَ بفسادٍ بادرتَ إلى إصلاحه، و متى عرفتَ بصلاحٍ ازددت رغبةً و عنايةً فی ذلک.

و اعمد في زيارة من يزورك و من لا يزورك، و الإحسان إلى من أحسن إليك أو أساء، و خذ العفو، و أمر بالمعروف، و تغافل عما لايعنيك، و اترك كل من يؤذيك، و بادر في إقامة الحقوق، و مَن مَرِضَ من إخوانك فعُده بنفسك، و تَعاهدْه برُسُلِك، و من غابَ منهم فتفقَّد أحواله، و من قعد منهم عنك، فلاتقعد أنت عنه، و صِلْ مَن جَفاك، و أكرِم من أتاك، و اعفُ عمَّن أساء اليك، و من تكلَّم منهم فيك بالقبيح؛ فتكلَّم فيه بالحسن و الجميل، و من ماتَ منهم قضيتَ له حقَّه، و من كانت له فرحةٌ هنَّيته بها، و من كانت له مصيبةٌ عزَّيته عنها، و من أصابه همٌّفتوجَّع له به، و من استنهضكَ لأمرٍ من أموره نهَضتَ له، و من استغاثَك فأغثه، و من استنصرك فانصره، و أظهر التودُّدَ إلى الناس ما استطعت، و أفشِ السلام و لو على قومٍ لِئام.

و متى جمع بينك و بين غيرك مجلسٌ، أو ضمَّك و إياهم مسجدٌ، و جرت المسائلُ و خاضوا فيها بخلافِ ما عندكَ لاتُبدِ لهم منكَ خلافًا، فإن سُئِلتَ عنها أجبتَ بما يعرفه القوم، ثم تقول: و فيها قولٌ آخر کذا، و حجته كذا، فإن سمعوا منك عرفوا قدرک و مقدارك، و إن قالوا: هذا قولُ من؟ فقُلْ: قولُ بعضِ الفقهاء، و إن استقرُّوا على ذلكَ و ألِفوهُ، و عرفوا مقدارك و عظَّموا محلك، فأعطِ كلَّ من يختلفُ إليك نوعًا من العلم ينظرون فيه، و يأخذ كلٌّ منهم بحظ شيءٍ من ذلك. و خذهم بجليِّ العِلم دون دقيقه، و آنسهم و مَازِحْهم أحيانًا، و حادثهم، فإنها تجلب لك المودةَ و تستديم به مواظبة العلم، و أطعمهم أحيانًا، و تغافل عن زلَّاتهم، و اقض حوائجهم، و ارفق بهم، و سامحهم، و لاتُبدِ لأحدٍ منهم ضِيقَ صدرٍ، أو ضجراً، و كن كواحدٍ منهم، و عامل الناس معاملتك لنفسك، و ارض منهم ما ترضاه لنفسك، و استعِن على نفسك بالصيانة لها، و المراقبة لأحوالها، و دعِ الشَّغَب، و لاتضجُر لمن لايضجر عليك، و استمع لمن يستمعُ منك، و لاتكلِّف الناس ما لايُكَلِّفُونك، و ارضَ لهم ما رَضوا لأنفسهم، و قدّم إليهم حُسنَ النية، و استعمل الصدق، و اطرحِ الكِبرَ جانبًا، و إياك و الغدر و إن غدروا بك، و أدِّ الأمانة و إن خانوك، و تمسَّك بالوفاء، و اعتصم بالتقوى، و عاشر أهلَ الأديانِ حسب معاشرتهم لک، فإنك إن تمسكت بوصيتي هذه رجوت لك أن تسلم و تعیش سالماً إن شاء الله تعالی، ثم قال له: إنه ليحزُننى مفارقتُك، و تؤنسني معرفتُك فواصلني بكتبك، و عرِّفني حوائجكَ، و كن لي كابنٍ فإني لك كأبٍ، قال يوسف بن خالد السَمْتِيُّ: ثم أخرج إليَّ دنانير و كِسوةً و زاداً و خرج معي، و حمَّلَ ذلكَ حمَّالاً، و جمع أصحابه حتى شيَّعوني، و رَكِبَ معهم حتى بلغنا إلى شطِّ الفُرات، ثمَّ ودَّعوني و ودَّعتُهم. و كانت مِنَّةُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى بوصيَّتِهِ إليَّ و بِرِّهِ أعظم من كلِّ مِنَّةٍ تقدَّمت عليَّ. و قدمتُ البصرة فاستعملتُ ما قالَ، فما مرَّت عليَّ أيامٌ يسيرةٌ حتى صاروا كلُّهم لي أصدقاء، و انتقدتُ المجالس، و ظهرَ بالبصرة مذهبُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى، كما ظهر بالكوفة. و سَقَطَ مذهب الحسن و ابن سيرين رضي الله تعالی عنهما، فما زالت هدايا أبي حنيفة وكُتبه تجيئُني بعد ذلك إلی أن مات رحمه الله تعالی، قال: و ناهِيكَ هذا من مُعلِّمٍ صالح، و أستاذٍ ناصحٍ، فمَنْ لِي مثله رضي الله عنه. انظر ( كشف الآثار الشريفة في مناقب أبي حنيفة، للحافظ أبي محمد الحارثي ج 1 ص 540 – 543، و مجموع كتب و رسائل و وصايا الإمام الأعظم، إعداد و تحقيق: أكرم محمد إسماعيل أبو عواد ص 491 – 497 ، و نماذج من وصايا الإمام الأعظم، للشيخ محمد بن أحمد عاموه ص 41 – 47 ،  و من وصايا الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، للشيخ محمد السيد البرسيجي ص 55 – 62).

[17] ـ شاع في الكتاب الإلهي المجيد، و الحديث الشريف، نسبة الهداية و الإضلال إلی الله تعالی، فتارة بالإطلاق، و أخری مع التقييد بالمشيئة، و كذلك نسبت الهداية إلی القرآن العظيم، و النبي الكريم، كما نسب الإضلال إلی شياطين الجن و الإنس. فعند المعتزلة: الهداية بمعنی بيان طريق الحق، و الإضلال ضده فهو بيان طريق الضلال، و عند الأشاعرة: خلق الاهتداء و الضلال، لا أن العباد هم الخالقون لهداهم و ضلالهم، و اعتراضات الطرفين و أجوبتهما مذكورة في ( الوسيلة في شرح الفضيلة ج 2 ص 711 ، 712 ). و قال المفسرون: قد منح الله تعالى للإنسان خمس هدايات يتوصل بها إلى سعادته.

الف: هداية الإلهام الفطري: و تكون للطفل منذ ولادته، فهو يحسّ بالحاجة إلى الطّعام و الشّراب، فيصرخ طالباً له إن غفلَ عنه والداه.

ب: هداية الحواسّ: و هي مُتمِّمة للهداية الأولى، و هاتان الهدايتان يشترك فيهما الإنسان و الحيوان، بل هما في البداية أكمل في الحيوان من الإنسان، إذ إلهام الحيوان يكمل بعد ولادته بقليل، و يكتمل في الإنسان تدريجياً.

ج: هداية العقل: و هي أسمى من الهدايتَينِ السابقَتَين، فالإنسان خلق مدنياً بالطبع ليعيش مع غيره، و لا يكفي الحسّ الظاهر للحياة الاجتماعية، فلا بد له من العقل الذي يوجهه إلى مسالك الحياة، و يعصمه من الخطأ و الانحراف، و يصحح له أغلاط الحواسّ، و الانزلاق في تيارات الهوى.

د: هداية الدين: و هي الهداية التي لا تخطئ، و المصدر الذي لا يضل، فقد يخطئ العقل، و تنجرف النفس مع اللذات و الشهوات، حتى توردها موارد الهلاك، فيحتاج الإنسان إلى مقوّم مرشد هاد لا يتأثر بالأهواء، فتسعفه هداية الدين لإرشاده إلى الطريق الأقوم، إما بعد الوقوع في الخطأ أو قبله، و تظل هذه الهداية هي الحارس الأمين الذي يفيء إليها الإنسان للتزود بمفاتيح الخير، و التسلح بمغلاق الشر، فيأمن العثور، و يضمن النجاة، و تعرّفه بحدود ما يجب عليه لسلطان الله الذي يخضع له في أعماق نفسه، و يحسّ بالحاجة الملحة لصاحب ذلك السلطان، الذي خلقه و سواه، و أنعم عليه نعماً ظاهرة و باطنة، لا تعد و لا تحصى. فصارت هذه الهداية أشد ما يحتاج إليها الإنسان، لتحقيق سعادته.

وقد أشار القرآن إلى تلك الهدايات في آيات كثيرة، منها ( وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ) [ البلد 90/ 10 ] أي بينا له طريقي الخير و الشر، و السعادة و الشقاء.

و منها قوله تعالى: ( وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ، فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ) [ فصلت 41/ 17 ] أي أرشدناهم إلى طريق الخير و الشر، فاختاروا الثاني.

هـ: هداية المعونة و التوفيق للسّير في طريق الخير و النجاة: و هي أخص من هداية الدين، و هي التي أمرنا الله بدوام طلبها في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أي دلنا دلالة تصحبها من لدنك معونة غيبية، تحفظنا بها من الضلال و الخطأ.

و هذه الهداية خاصة به سبحانه، لم يمنحها أحداً من خلقه، بل نفاها عن النّبي صلّى الله عليه و سلّم في قوله: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) [ القصص 28/ 56 ] ، و قوله: ( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) [ البقرة 2/ 272 ] ، و أثبتها لنفسه في قوله: ( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ) [ الأنعام 6/ 90 ] .

أمّا الهداية بمعنى الدلالة على الخير و الحق، فأثبتها الله للنّبي صلّى الله عليه و سلّم في قوله: ( وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [ الشورى 42/ 52 ]. و الخلاصة: الهداية في القرآن نوعان: هداية عامّة: و هي الدلالة إلى مصالح العبد في معاده، و هذه تشمل الأنواع الأربعة السابقة، و هداية خاصّة: و هي الإعانة و التوفيق للسير في طريق الخير و النجاة، مع الدلالة، و هي النوع الخامس. انظر ( التفسير المنير للزحيلي ج 1 ص 59، 69، و حدائق الروح و الريحان في روابي علوم القرآن ج 1 ص 76، 77 ).

[18] ـ الـمَـوعِظة: هي التي تُلين القلوب القاسية، و تُدمع العيون الجامِدة، و تُصلح الأعمال الفاسدة. ( كتاب التعريفات ص 165 ).

[19] ـ هذا من أمثال العرب، معناه: قليلٌ من كثيرٍ. الغيضُ: النّقصان، و الفيضُ: الزّيادة. يقال: أعطى غيضاً من فيض، أي قليلاً من كثير، و يقال: غاضَ الكرامُ أي قَلُّوا، وفاضَ اللِّئامُ أي كثروا. انظر مادة غيض و فيض من كتب اللغة ( القاموس المحيط – معجم اللغة العربية المعاصرة – المعجم المحيط – معجم المغني – معجم الرائد و ..، و مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء للشمني ج 1 ص 153، و شرح الشفا للقاري الهروي ج 1 ص 340، و الأمثال للهاشمي ص 173، و مُجمّع الأمثال ج 2 ص 60، و المستقصی في أمثال العرب ج 2 ص 178 ).

[20] ـ هكذا روي عن علي رضي الله عنه كما في تفسير ( روح البيان ج 9 ص 450 ) و يحتملُ أن يكونَ مقتبساً مما ورد ” مَن عرفَ نفسَه فقد عرفَ ربَّه ” و معناه : لا بطريق الـمُساواة بل بطريق الـمُخالَفة، يعني من عرف نفسه بالحدوث، عرف ربه بالقِدَم، و من عرف نفسه بالإمكان عرف ربه بالوجوب، و من عرف نفسه بالتركيب و التأليف، عرف ربه بالوحدانية و الفردانية، و من عرف نفسه بالجهل و العجز و الحاجة، عرف ربه بالعلم و القدرة و الاستغناء. و على هذا الباب فـقس. انظر ( المطالب العالية من العلم الإلهي ج 1 ص 247 ).

و للاستزادة ليرجع أهل الاستفادة إلی رسالة لطيفة  مسماة بـــ” القول الأشبه في حديث من عرف نفسه فقد عرف ربه ” للحافظ السيوطي و هي مندرجة في كتابه ( الحاوي للفتاوي ج 2 ص 238 )، و قد أشبع الكلام عليه و حصره في مَقالَين و ذكر له وجوهاً كثيرةً. و ( مرآة العرفان و لُبّهُ، شرح رسالة من عرفَ نفسَهُ فقد عرفَ ربَّهُ ) للعارف بالله الشيخ أحمد بن سليمان الأروادي النَّقشبندي.

[21]ـ قال العلامة المحقق علي القاري الهروي: التَّوْحِيد فِي اللُّغَة الحكم، أَو الْعلم بِأَن الشَّيْء وَاحِد، وَ فِي الِاصْطِلَاح هُوَ تَجْرِيد الذَّات الإلهية عَن كل مَا يتَصَوَّر فِي الأفهام، و يخيل فِي الأذهان و الأوهام، و هذا معنى قول عَليّ كرم الله وجهه لما سُئِلَ عَن التَّوْحِيد مَا معناهُ فقال: التَّوْحيد أَن تعلم أَن ما خطر ببالك، أَو توهَّمته في خيالك، أَو تصَّورته في حال من أحوالك، فالله تعالى وَرَاء ذلك. و يرجع إليهِ قول الْجُنَيْد قدس الله سره: التَّوْحيد إِفْرَاد الْقِدَم من الْحُدُوث إِذْ لَا يخْطر ببالك إِلَّا حَادث فإفراد الْقدَم أَن لَا يحكم على الله بمشابهة شَيْء من الموجودات، لَا فِي الذَّات وَ لَا فِي الصِّفَات، فَإِن ذَاته لَا تشبه الذوات، وَ لَا صِفَاته قَالَ تَعَالَى: { لَيْسَ كمثله شَيْء وَ هُوَ السَّمِيع الْبَصِير }، و لذا قيل و معنى كَون الله واحدًا نفي الانقسام في ذاته و نفي التَّشْبِيه و الشَّريك عن ذاته و صفاته. انظر ( الرد على القائلين بوحدة الوجود ص 16 ).

[22] ـ بالإتيان بجميع الواجبات، و الاجتناب عن الفواحِش و الـمُنكرات، فإن التقوی أساس الدين، و به يرتقی إلی مراتب الحق اليقين. و هي لغةً: حفظ النفس عما يؤذيها، كأنها جعلت في وقاية.  و شرعاً: صيانة النفس عن المحظور.

و التقوی – علی جميع الأقوال الواردة في حقيقتها – لا تكون و لا يُعتدّ بها حتی ترتبِطَ بالعلم، علی أن العلمَ رُوحُـها، فلا يكون لها معنی إلا به، سواءٌ أكانت بمعنی امتِثال الأوامرِ و اجتنابِ النواهي، أم كانت بمعنی الشعورِ القلبـيِّ الذي لا يعلمه إلا اللهُ، فإنها لا تُقبَلُ إلا بالعلم، فصلاةُ الجاهل بأحکام الصلاة باطلةٌ، و إن وافق الصوابَ في فعلها، و هو في فعلها آثِمٌ، و كذلك صيامُ من لا يعرف أحكام الصيام، و زكاةُ من لا يعرف الزكاة، و حجُّ الجاهل بمناسك الحج، بل كذلك تصوفُ من لا يعرف أحكامَ التصوف، و فِـقهَه المقرَّرَ في كتب أئمتِه، فهذه مسألة مجمعٌ عليها بينَ علماء الإسلام، لا يكاد يُعثَرُ فيها علی خلافٍ.  انظر ( شرح التفتازانی علی الأحاديث الأربعين النووية ص 125 ، و كشف الغطاء عن طريقة التحصيل عند العلماء ص 41 ). و لهذا الباب شرحٌ يطول انظر إلی ( منهاج العابدين إلی جنة رب العالمين للإمام الغرالي رحمه الله ص 97 – 104 ).

و هذا ما أوصی به النبي صلی الله عليه و سلم لسيدنا معاذ رضي الله عنه وَ كانَ هذا حِينَ أَرسَلَهُ حَاكِمًا إِلَى الْيَمَنِ فِي آخِرِ وَدَاعِهِ فقال: « يَا مُعَاذُ اتَّقِ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتَ إلخ ». انظر ( الزهد الكبير للبيهقي برقم – 957 ، و الإيماء إلى زوائد الأمالي و الأجزاء – 7248 ، و شرح الأربعين النووية لابن رجب ص 137 )، و غيرها..

و جاء هذا الحديث بلفظ آخر أذكره بكماله ليتمّ الأولُ أيضاً: عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي قَالَ: « عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتَ، وَ اذْكُرِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وَ شَجَرٍ، وَ إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأَحْدِثْ عِنْدَهَا تَوْبَةً، السِّرُّ بِالسِّرِّ، وَ الْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ ». ( الزهد لأحمد بن حنبل ص 26 ، و الترغيب و الترهيب من الحديث الشريف للمنذري  برقم – 4755 – ، و..  و قال الهيثمى: إسناده حسن. انظر ( مجمع الزوائد و منبع الفوائد ج 10 ص 74 ).

و قال العلامة الفيروز آبادي: و قد علِمنا أَنَّ الله تعالى إِنَّما يَتَقَبَّل من المتَّقين، فَرَجَعَ الأَمرُ كلُّه إِلى التَّقْوَى. و قال بعضُ المُرِيدين لَشْيخِه: أَوْصِنِـي قال: أُوصِيكَ بما أَوْصى الله تعالَى الأَوَّلِين و الآخِرِين و هو قوله: ( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ إِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ). قال الشيخ أَبو حامد رحمه الله: أَلَيْسَ اللهُ سبحانه أَعلمَ بصَلاح العَبْد من كلِّ أَحدٍ، و لو كانت فى العالَمِ خصلةٌ هي أَصلح للعبد و أَجْمَع للخير، و أَعظم للأَجْرِ، و أَجَلّ في العُبوديّة، و أَعظم في القَدْرِ، و أَوْلَى في الحالِ، و أَنجح في المآلِ من هذه الخَصْلَة الَّتَى هي التقوى، لكان الله سبحانه أَمَرَ بهَا عِبادَه و أَوْصَى خَواصّه بذلك؛ لِكمال حِكْمَته، و رحمته.

فلمّا أَوْصَى بهذه الخَصْلة جميعَ الأَوْلين و الآخِرين من عِبادِه و اقتصر عليها: عَلِمْنا أَنَّها الغايةُ التي لا مُتجاوَزَ عنها، و أَنَّه عزَّ و جلّ قد جمع كُلَّ مَحْضِ نُصْح، و دَلالة، و إِرشاد، و تأَدِيبٍ، و تعليم، و تَهْذيب في هذه الوصيّة الواحدة كما يَلِيقُ بحِكْمَته و رحمته، فهي الخَصْلة الجامِعةُ لخير الدُّنيا و الآخرة، الكافِيَة لجميع المهمات، المُبْلِغَة إِلى أَعلَى الدّرجات. و هذا أَصلٌ لا مَزيدَ عليه، و فيه كِفايَةٌ لمن أَبصرَ النُّورَ و اهْتَدَى، و عَمِلَ و استَغْنَى، و الله وَلِيُّ الهِداية و التَّوْفيق. ( بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ج 5 ص 261 ).

و قال الشيخ أحمد التجاني ثاني سعد الأزهري حفظه الله تعالی: و الأقرب إلی سياق الآية أن يُفهَم من وقوع جملة ( و يعلمكم الله ) بعدَ جملة: ( و اتقوا الله ) الترابطُ و التلازمُ بينَ العلم و تقوی الله، علی أنه لا تقوی إلا بالعلم، و لا علمَ إلا بالتقوی، فالعالـِمُ الذي لا يتصف بالتقوی بمنزلة الجاهل عند الله، و التقيُّ الذي لا يتّصِفُ بالعلم، و لا تنبنِـي تقواه علی العلم غيرُ معتدٍّ به عند الله سبحانه و تعالی. انظر (  كشف الغطاء ص 17 ).

[23] ـ كما أمرنا الله تعالی به بقوله: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَ لَا تَفَرَّقُوا الآية ( آل عمران : 103 ). و انظر ( الحج : 78 ، و النساء : 175 ).

[24] ـ اقتباس من الآية الكريمة، ينظر سورة ( يونس: 94 ).

[25] ـ من أمثال العرب، الأبْلَجُ: من افترق حاجباه و وضح ما بينهما. معناه أن الحقَّ واضحٌ بَيِّن لَا التباسَ به، مأخوذ مِن البلجة، و هي البياض. و الباطل مختلط، و أصله من تلجلج: أي خلط في كلامه، فلم يأت بما يرضى منه، أى يتردّد فلا يجد صاحبه مخرجاً. انظر ( الأمثال المولدة ص 103 ، و جمهرة الأمثال ج 1 ص 364 ، و الأمثال للهاشمي ص 81 ، و مجمع الأمثال ج 2 ص 207 ، و المستقصى في أمثال العرب ج 1 ص 313 ، و زهر الأكم في الأمثال و الحكم ج 2 ص 125 ، و نهاية الأرب في فنون الأدب ج 3 ص 15 ، و المعجم المحيط ص 295 ). و قال بعضهم : الْحق أَبْلَج، و طَرِيق الصدْق مَنْهَج، و مسلك الْبَاطِل أعوج. ينظر ( جمهرة الأمثال ج 1 ص 364 ، و موسوعة الشعر الإسلامي 141 ).

و عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يُحَدِّثُ « عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: الْخَيْرُ عَادَةٌ وَ الشَّرُّ لَجَاجَةٌ وَ مَنْ يُرِد اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ». قال المحقق السندي: يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ وَ الشَّرِّ الْحَقُّ وَ الْبَاطِلُ، وَ لِلْحَقِّ نُورٌ فِي الْقَلْبِ يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَ لِلْبَاطِلِ ظُلْمَةٌ يَضِيقُ بِهَا الْقَلْبُ عَنْ قَبُولِهِ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ إِلَّا بِتَرَدُّدٍ وَ انْقِبَاضٍ لِلْقَلْبِ عَنْ قَبُولِهِ، وَ هَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْمَثَلِ الْمَشْهُورِ الْحَقُّ أَبْلَجُ وَ الْبَاطِلُ لَجْلَجٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْفُذَ. فافهم ( كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه ج 1 ص 96 ).

[26] ـ انظر سورة يونس الآية ( 32 ).

[27] ـ هذا قول سيدنا علي كرّمَ اللهُ وجهه و رضي عنه، و قد ورد بألفاظ مختلفة. ينظر ( ميزان العمل ص 349 ، و إحياء علوم الدين ج 1 ص53 ، و المنقذ من الضلال ص 30 ، كلها للإمام الغزالي، و تلبيس إبليس ص 101 ، و صيد الخاطر ص 42 ، و الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 171 ، و تبصرة الساجد ص 180 ). و ألف الشيخ الطريفي فيه رسالة و سماها ( اعرف الحق تعرف أهله ). فارجع إليه. 

و قال الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام رحمه الله تعالی: « عليك بآثار مَن سلَف، و إن رفضك الناسُ، و إياك و آراء الرِّجال، و إن زخرفوه لَك بالقَول ». و قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالی: « الزم طرقَ الهدى، و لا يغُرّك قِلّة السالكين، و إيّاك و طرق الضّلالة، و لا تَغترّ بكثرة الهالكين ».

( المعجم الجامع في تراجم المعاصرين ص 175 ).

[28] ـ مقتبس من الآيات المباركة: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ. (النحل: 125). وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.( الشعراء 214 ). يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نَارًا.( التحريم: 6).

[29] ـ تفيد تفضيل ما بعدها علی ما قبلها في المعنی و الحُكم. و المصطلحُ الأفصحُ  الكاملُ أن يكونَ « و لا سيَّما » فتتركّبُ مِن الواو الاعتراضيّة و « لَا » النّافية للجنس و « سيَّ » بمعنى مثل و « مَا » الزائدة، أو الموصولة، أو النّكرة الموصوفة، و بالجملة: فتشديدُ يائها و دخولُ « لَا » عليها، و دخولُ الواو على « لَا » واجبٌ، و قد يحذفونَ « لَا »، فيقولون: « سیّما » و هي لغة ضعيفة، كما قد يخفّفون الياء.

و عدّ جماعة من النّحاة منهم الأَخفش، و أبو حاتم، و النحاس في أدوات الاستثناء ( لا سيّما )، لما رأوا ما بعدَها مخالفًا لما قبلَها بالأولوية التي لما بعدَها، و الصحيحُ أنها ليست مِن أدواته.

و الاسم الواقع بعدَ ” لا سيّما ” إِما معرفة، كأَن يقالَ لك: أكرمِ العلماءَ لا سيّما الصّالح منهم، و إِما نكرة، كما في قول امرئ القيس:

ألا رُبَّ يَومٍ صَالح ٍلَكَ مِنهُمَا      و لَا سِيَّمَا يومٍ بِدارَةِ جُلجُلِ

فإن كانَ الاسم الواقع بعدَ ” لاسيّما ” نكرةً جاز فيه ثلاثةُ أوجهٍ: الجرّ، و هو أَعلاها، و الرّفع و هو أقلّ مِن الجرّ، و النّصب، و هو أقلّ الأَوجهِ الثلاثة.

فَأمّا الجرُّ فتخريجُه على وَجهَين، أحدهما: أن تكونَ ” لَا ” نافيةً للجنس و ” سيّ ” اسمها منصوب بالفتحة الظاهرة، و ” ما ” زائدة، و سيّ مضاف، و ” يوم ” مضاف إليه، و خبر لَا محذوف، و التقدير: و لا مثل يوم بدارة جلجل موجود، و الوجه الثاني أن تكون ” لَا ” نافية للجنس أيضا، و ” سيّ ” اسمها منصوب بالفتحة الظاهرة، و هو مضاف و ” ما ” نكرة غير موصوفة مضاف إليه مبني على السكون في محل جرّ، و ” يوم ” بدَل من ما.

و أمّا الرفعُ فتخريجه على وَجهين أيضاً، أحدهما: أن تكون ” لَا ” نافية للجنس أيضا و ” سيّ ” اسمها، و ” ما ” نكرة موصوفة مبني على السكون في محل جرّ بإضافة ” سيّ ” إليها، و ” يوم ” خبر مبتدأ محذوف، و التقدير: هو يوم، و خبر لَا محذوف، و كأَنّك قلتَ: و لا مثل شئ عظيم هو يوم بدارة جلجل موجودٌ، و الوجه الثاني، أن تكون ” لا ” نافية للجنس أيضاً، و ” سيّ ” اسمها، و ” ما ” موصول اسمي بمعنى الذي مبني على السكون في محل جرّ بإضافة ” سيّ ” إليه، و ” يوم ” خبر مبتدأ محذوف، و التقدير هو يوم، و الجملة من المبتدأ و الخبر لا محلّ لها من الإعراب صلة الموصول، و خبر ” لَا ” محذوف، و كأَنّك قلتَ: و لا مثل الذي هو يوم بدارة جلجل موجود.

و أمّا النصبُ فتخريجه على وجهين أيضاً، أحدهما: أن تكون ” ما ” نكرة غير موصوفة و هو مبني على السكون في محلّ جرّ بإضافة ” سيّ ” إليها، و ” يوماً ” مفعول به لفعل محذوف، و كأنّك قلت: و لا مثل شيء أعني يوما بدارة جلجل، و ثانيهما: أن تكون ” ما ” أيضاً نكرة غير موصوفة و هو مبني على السكون في محلّ جر بالإضافة، و ” يوماً ” تمييز لها.

و إن كانَ الاسم الواقع بعدَها معرفةً كالمثال الذي ذكرناه فقد أجمعوا على أنّه يجوز فيه الجرّ و الرّفع، و اختلفوا في جواز النّصب، فمَن جعلَه بإضمار فعل أَجاز كما أجاز في النكرة، و مَن جعلَ النّصبَ على التمييز، و قال إن التمييز لا يكون إلّا نكرة، مَنعَ النّصبَ في المعرفة، لأَنه لا يجوز عندَه أن تكون تمييزا، و مَن جعلَ نصبَه على التمييز، و جوَّز أن يكون التمييزُ معرفةً، كما هو مذهب جماعة الكوفيين، جوزَ نصبَ المعرفة بعدَ ” سيّما “. و الحاصل أنّ نصب المعرفة بعد ” لاسيّما ” لا يمتنعُ إلا بِشرطَين: التزام كون المنصوب تمييزاً، و التزام كون التمييز نكرةً.

انظر ( منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل ج 1 ص 166 ، و الموسوعة الشاملة في النحو و الصرف ج 3 ص 206 ، و معجم المصطلحات النحوية و الصرفية ص 270 ، و المساعد على تسهيل الفوائد ج 1 ص 597 ، و موسوعة النحو والصرف والإعراب ص 572 ، و معجم النحو  ص 436 ، و المنهاج في القواعد والإعراب ص 226 ، و المعجم المفصل في النحو العربي ج 1 ص 558 ، و ج 2 ص 849 ، و شرح الرضي على الكافية ج 2 ص 134 ، و شرح الأشمونى على ألفية ابن مالك ص 209 ، و النحو الواضح في قواعد اللغة العربية ج 2 ص 151، و النحو الوافي ج 1 ص 401 ، و ارتشاف الضرب من لسان العرب ج 3 ص 1549 ، و تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد ج 5 ص 2234 ، و جامع الدروس العربية ص 146 ، و همع الهوامع في شرح جمع الجوامع ج 2 ص 285 ، و معاني النحو ج 1 ص 385 ، و الفوائد العجيبة في إعراب الكلمات الغريبة ص 27 ، و لا سيّما كتاب “أحكام لا سيّما و ما يتعلق بها” ).

[30] ـ مأخوذ من قول النبي صلی الله عليه و سلم أذكره بسنده، و نبذة من أحاديث أخری في هذا الباب.

 عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلّم قَالَ: « وَ اللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِهُدَاكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، أي البخاري و مسلم و أبوداود. ( بهداك ) الذي أنت عليه يا علي، فالخطاب له يوم بعثه إلی خيبر. ( حمر النعم ) جمع أحمر، و النعم بفتحتين: الإبل و البقر و الغنم، فإذا أضيفت إلی حمر كما هنا كان المراد بها الإبل الحمر، و كانت العرب تضرب المثل بحمر النعم، لأنها أنفس أموالهم، و أكرمها عندهم.

فمن يهدي شخصا واحدا فله عندالله درجة كبيرة، فما بالك بمن يهدي قبيلة أو شعبا!. انظر ( التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول مع غاية المأمول ج 1 ص 68 ).

و روی الطبراني في ( المعجم الكبير ج 1 ص 315 ) بسند حسَن،  عَنْ أَبِي رَافِعٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: « لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى يَدَيْكَ رَجُلًا، خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَ غَرَبَتْ ». أَيْ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا. انظر ( مرقاة المفاتيح ج 8 ص 3117، و ج 9 ص 3934 ).

و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلّم قَالَ: « مَنْ دَعَا إِلَى هُدىً كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَ مَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئاً ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَ أ َبُو دَاودَ وَ التِّرْمِذِيُّ.

وَ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلّم قَالَ: « إِذَا مَاتَ ابْن آدَم انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلَاثٍ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا البُخَارِيَّ.

وَ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلّم قَالَ: « إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ المُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَ حَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، عِلْماً عَلَّمَهُ وَ نَشَرَهُ، وَ وَلَداً صَالِحاً ترَكَهُ، أَوْ مُصْحَفاً وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِداً بَنَاهُ، أَوْ بَيْتاً لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْراً أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَ حَيَاتِهِ تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَ البَيْهَقِيُّ وَ ابْنُ خُزَيْمةَ. ( التاج الجامع للأصول ج 1 ص 75 ، 76 ).

[31] ـ علی الـمُؤمن أن يُراعي الحقوق الاجتماعية للآخرين، و يحترمَها، و يحافظَ علی حرمات اللهِ العامّة التي تمسّ المجتمع برمته، و أساس هذه الرعاية: الشعور بالوحدة و الأخوة، و كفُّ الأذی عن الناس، و الإشفاقُ عليهم و رحمتُهم، فمن تنكَّر لوحدة الأمة، و لم يمنع أذاه عن غيره، و عامل الناس بالقسوة و الشدة و الصلابة، فإنه لا يستحق الانتماء لهذه الأمة، و هو يبيِّت الكيد بها، و تدمير مصالحها، و القضاء علی شخصيتها و وجودها.

أما من كان يعامل غيره بالرفق و الرحمة، و اللين و السماحة، و يمنع ضرره عن غيره، و أحسَّ في قرارة نفسه بأنه جزء أصيل من أمته و أمين علی مصالحها، فهو الذي يُعتمد عليه في الملمّات، و يرجی منه الخير في الشدائد.

و قد أوصی القرآن الكريم و السنة النبوية بالتزام عوامل الوحدة و القوة الداخلية في كثير من الآيات الشريفة و الأحاديث الصحيحة. مذكورة في ( أخلاق المسلم – علاقته بالمجتمع ص 46 ، 47 ، 48 ). فارجع إليه.

[32] ـ ليس لأحد بعد الله تعالی الخالقِ الرازقِ فضلٌ إلا للوالدين اللذين كانا سبب وجود الإنسان و تنشئته، و تربيته و تعليمه، و السهر عليه، و الحفاظ علی صحته و راحته، و لذا أوصی الله تعالی الإنسان ببرِّ الوالدين في آيات كثيرة.

و يختلف مظهر و مخبر برّ الوالدين عن أي خصلة وفاء أو شكر أو تقدير آخر، فهو فضيلة أو أدب أو واجب دائم، في الحياة و بعد وفاة الوالدين، أما في الحياة فلا بد من حسن الخلق و المعاملة و الطاعة و الأدب، و الاحترام، و الصلة المالية، و الخدمة عند الحاجة، و قضاء حوائجهما بقدر الإمكان أو الطاقة، و أما بعد الوفاة فبالدعاء لهما بالنعيم و القبول، و التصدق عليهما، و الإحسان إلی أصدقائهما و أحبائهما، و تنفيذ عهدهما أو وصيتهما، و صلة رحمهما. و هذا ما وجَّهت إليه آيات القرآن الكريم و أحاديث النبي عليه الصلاة و السلام.

و فضائلُ برّهما، و تحريمُ عقوقِهما، من الآيات و الأحاديث، كثيرة مذكورة في ( أخلاق المسلم، علاقته بالنفس و الكون  ص  209 – 217 ) و غيره، – و سنذكر نبذة من الأحاديث عند قوله { رغم أنفك.. }، إن شاء الله سبحانه و تعالی – حتی انفرد العلماء بالتأليفات الكثيرة في هذا الباب، يجدها من يطلب.

[33] ـ مأخوذ من كتاب الله تعالی، و كمال الآية: وَ قَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لاتَنْهَرْهُما وَ قُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (23) وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (24). من سورة الإسراء.

[34] ـ مستفاد من الحديث النبوي الشريف، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، قَالَ: « رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ»، قِيلَ: مَنْ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: « مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ ».

و عنه أيضا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: « رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ » قِيلَ: مَنْ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: « مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ » رواهما مسلم.

ومعنى: ( رغم أنفه ) أي: لصق بالرغام، و هو التراب و هو من باب الدعاء، و من باب التعجّب مِن حال هذا الابنِ الذي عاش ما عاش معَ والديه، ثمّ مات الوالدان، أو مات إحداهما، أو أدرك هوَ والديه عندَ الكبر أو أحدهما، ثم لم يقم ببرهما و الإحسان إليهما؛ ليكون ذلك سببًا في دخول الجنة. ( التفسير الموضوعي (2)، ص 57 ). و قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالی: وهذا من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَ سَلَّمَ دعاء مُؤكد على مَن قصر فِي برِّ أبويه، و يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معناه: صرعه الله لأَنفه فأَهلَكه، و هذا إِنما يكونُ في حقّ مَن لم يقم بما يجب عليه مِن برّهما.

و ثانيهما: أن يكون معناه أذلَّه الله، لأنَّ من ألصق أنفه – الذي هو أشرفُ أعضاءِ الوجه – بالتُّراب – الذي هو موطئ الأقدام و أخس الأشياء – فقد انتهى من الذّل إلى الغاية القصوى، و هذا يصلح أن يدعى به على من فرّط في متأكدات المَندوبات، و يصلح لمن فرّط في الواجبات، و هو الظاهر، و تخصيصه عند الكبر بالذكر – و إن كان برهما واجباً على كلّ حال – إنما كان ذلك لشدّة حاجتهما إليه، و لضعفهما عن القيام بكثير من مصالحهما، و ليبادر الولد اغتنام فرصة برّهما، لئلا تفوتَه بموتهما، فيندم على ذلك.( المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ج 6 ص 518 ).

و في هذا السياق أيضاً عَنْ جَابِرٍ – رضي الله عنه، يَعْنِي ابْنَ سَمُرَةَ – قَالَ: « صَعِدَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ – الْمِنْبَرَ فَقَالَ: ” آمِينَ آمِينَ آمِينَ “. قَالَ: ” أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، فَقُلْ: آمِينَ. قُلْتُ: آمِينَ. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَمَاتَ، فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأُدْخِلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ فَقُلْتُ: آمِينَ. قَالَ: وَ مَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ. قُلْ: آمِينَ فَقُلْتُ: آمِينَ ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِأَسَانِيدَ وَ أَحَدُهَا حَسَنٌ، وَ لِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ فِي الْأَدْعِيَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ. ( مجمع الزوائد و منبع الفوائد ج 8 ص 139 ).

و عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، – رضي الله عنه – أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا؟ قَالَ: « هُمَا جَنَّتُكَ وَ نَارُكَ ». رواه ابن ماجه.

قَوْلُهُ: (هُمَا جَنَّتُكَ) أَيْ: سَبَبٌ لِدُخُولِكَ الْجَنَّةَ إِنْ أَطَعْتَهُمَا فِيمَا يَحِلُّ فِيهِ طَاعَتُهُمَا ( وَ نَارُكَ ) أَيْ: سَبَبٌ لِدُخُولِكَ فِي النَّارِ إِنْ عَصَيْتَهُمَا مِمَّا يَنْبَغِي طَاعَتُهُمَا فِيهِ.( كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه ج 2 ص 389 ).

[35] ـ و قد ورد: وَقِّرُوا مَنْ تَعَلَّمُونَ مِنْهُ الْعِلْمَ وَ وَقِّرُوا مَنْ تُعَلِّمُونَهُ الْعِلْمَ. رواه ابن النجار في تاريخه عن ابن عمر، و رواه عنه أيضا الديلمي و غيره.

فحقُّ المعلِّم أَن يجري متعلِّميه مجرى بنيه فإِنّه لهم في الحقيقة أشرفُ الأبوين، و أَبو الإِفادة أعظمُ حقّا مِن أبي الولادة، فيوقّرهم كما يوقر أولاده – وَ مِن توقيرهم أَن لَايستعملهم فِي حَوَائِجه – و يوقروه كما يوقروا آباءَهم كما قال الإسكندر و قد سئل: أمعلِّمُك أكرم عليك أَم أبوك؟ قال: بل مُعلّمي لأَنه سبب حياتي الباقية، و والدي سبب حياتي الفانية، فهو أحق بالتوقير مِن الأب، و على العالِم أن يعاملهم بالإرشاد و الشفقة و يتحنن عليهم، و عليه أن يصرفهم عن الرذائل إلى الفضائل بل بلطف في المقال، و تعريض في الخطاب، و التعريض أبلغ من التصريح.

 انظر ( كنز العمال في سنن الأقوال و الأفعال ج 10 ص 250 ، و الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 382 ، مع شرحيه التيسير، و فيض القدير للمناوي ).

و أيضا: ( سيأتيكم أقوام يطلبون العلم فإذا رأيتموهم فقولوا لهم مرحبا ) أي رحبت بلادكم و اتسعت و أتيتم أهلا لا غربا فاستأنسوا و لا تستوحشوا و هو مصدر استغنى به عن الفعل و ألزم النصب ( بوصية رسول الله ) و قد درج السلف على قبول وصيته، فكان أبو حنيفة يكثر مجالسة طلبته، و يخصهم بمزيد الإكرام، و صرف العناية في التعظيم، و كان البويطي يدنيهم و يقربهم، و يعرفهم فضل الشافعي و فضل كتبه، و يحضهم على الاشتغال، و يعاملهم بأشرف الأحوال، ( وأفتوهم ) بالفاء أي علموهم. و في رواية الديلمي و غيره بالقاف و النون، يعني أرضوهم من أقنى أي أرضى. و قيل: لقنوهم، و قيل: أعينوهم. ( فیض القدير ج 4 ص 117 ).

[36] ـ قال شیخ الإسلام ابن جمَاعةَ الكِنانِيّ في آداب المتعلم معَ شيخه:  الثاني: أن يَنقادَ لشيخِه في أمورِه، و لا يخرجَ عن رأيه و تدبيرِه، بل يكونُ معه كالمريض مع الطَّبيب الماهر، فيشاورُه فيما يَقصدُه، و يَتحرَّى رضاهُ فيما يَعتمدُه، و يُبالِغُ في حُرمتِه، و يَتقرَّبُ إلى الله تعالى بخدمتِه، و يعلمُ أن ذلَّه لشيخِه عِزٌّ، و خضوعَه له فخرٌ، و تواضعَه له رفعةٌ. ( تذكرة السامع و المتكلم في آداب العالم و المتعلم ص 181 – 182 ).

[37]ـ لأن القاعدة في الشّرع أنه ” لا طاعةَ لمخلوق في معصيةِ الخالق “. ( القواعد الفقهية و تطبيقاتها في المذاهب الأربعة ج 1 ص 562 ، و الدّرر المباحة في الحظر و الإباحة ص 34 ، و هكذا في الدّر المختار و ردّ المحتار و غيرهما ). و قال المفسّر الحقّي رحمه الله تعالی: و ليس كذلك – أي مثل أدب الولد مع الوالد – التلميذ مع الأستاذ إذ لا حرمة لعالم غير عامل!. ( روح البيان ج 5 ص 389 ).

[38] ـ قال شعبةُ: كنتُ إذا سَـمِعتُ من الرَّجل الحديثَ كنتُ له عبدًا ما حَيِيَ، و قال: ما سمعتُ من أحدٍ شيئًا إِلّا و اختَلَفتُ إليه أكثرَ مما سمعتُ منه.

( تذكرة السامع ص 185 ، 186 ).

[39] ـ هذا مأخوذ مما ينسب إلی سيدنا علي رضي الله تعالی عنه، فإنه قال: أنا عبد مَن علَّمني حرفاً واحداً، إن شاء باعَ، و إن شاء أعتقَ، و إن شاء استرقَّ. كذا في ( تعليم المتعلم ص 55 ).

[40] ـ قال ابن جماعة: و ينبغي أن يدعوَ له مدّةَ حياتِه، و يَرعى ذُرِّيَّتهُ و أقاربَه و أوُدّاءَه بعد وفاته، و يتعاهَدَ زيارةَ قبرِه، و الاستغفارَ له، و الصَّدقةَ عنه، و يسلُكَ في السَّمت و الهدى مسلكَه، و يُراعيَ في العلم و الدِّين عادَتَه، و يَقتديَ بحركاته و سَكَناتِه في عاداته و عِباداته، و يتأَدَّبَ بآدابه و لا يدع الاقتداءَ به. ( تذكرة السامع ص 186 ).

قال إمام الأئِمّة فقِيهُ الملّة سيّد الفُقهاء و المجتهِدين الإمامُ الأعظَم و الهمام الأقرم أبو حنيفة رحمه الله تعالی: إِني لأَدعُو لحمّاد فأَبدأ به قبل أَبوَي. ( مسند أبي حنيفة لابن خسرو  ج 1 ص 277 ، و أخبار أبي حنيفة و أصحابه للصّيمري ص 21 ).

و في ( مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج 1 ص 30  ): مَا صَلَّيْتُ صَلَاةً مُنْذُ مَاتَ إِلَّا اسْتَغْفَرْتُ لَهُ قَبْلَ أَبَوَيَّ، أَوْ قَالَ: مَعَ وَالِدَيَّ، وَ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ لِمَنْ تَعَلَّمْتُ مِنْهُ عِلْمًا، أَوْ تَعَلَّمَ مِنِّي عِلْمًا.

وعن أبى يوسف رحمه الله تعالی، قال: إنى لأدعو لأبى حنيفةَ قبلَ أبوَى، و لقد سمعتُ أبا حنيفةَ يقولُ: إِنى لأدعُو لحمّاد معَ والِدي. ( تهذيب الأسماء و اللغات للإمام النووي ج 2 ص 219 ، و تاريخ بغداد ج 15 ص 459 ، و الطبقات السنية في تراجم الحنفية ص 28 ).

و قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رضي الله تعالی عنه: « إِنِّي لَأَدْعُو وَ أَنَا سَاجِدٌ، لِسَبْعِينَ أَخًا مِنْ إِخْوَانِي، أُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ، وَ أَسْمَاءِ آبَائِهِمْ ». ( مسند ابن الجعد ص 169 ). وقال ابن راهويه: قلَّ ليلة إلا و أنا أدعو فيها لمن كتب عنا، و لمن كتبنا عنه.

و قال الحارث بن سريج: سمعت يحيى القطان يقول: أنا أدعو الله للشافعي، أخصه به.

و قال الإمام أحمد: ما بِتُّ منذ ثلاثين سنة إلا و أنا أدعو للشافعي، و أستغفر له.

( الإِعلام بـحُرمة أهل العلم و الإسلام ص 195 ) و ذكرَ غيرَهم مِن الأئمة إن شئتَ فارجع إليه.

[41] ـ قال الإمام الزرنوجي رحمه الله تعالی: و من توقيره – أي من تعظيم الأستاذ – توقير أولاده و من يتعلق به. ( تعليم المتعلم، الفصل الرابع ص 23 ).

سُئِلَ شُعْبَةُ يَوْمًا عَنْ هَذَا الحَدِيثِ – يعني حديث عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن عائشة: كان على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ ثوبان قطريان – فَقَالَ: لَسْتُ أُحَدِّثُكُمْ حَتَّى تَقُومُوا إِلَى حَرَمِيِّ بْنِ عُمَارَةَ، فَتُقَبِّلُوا رَأَسَهُ. قَالَ: وَ حَرَمِيٌّ فِي القَوْمِ.

و إنما قَالَ شعبة هَذَا إعزازًا و إكرامًا لحرميّ؛ لأنه ابن شيخه عمارة بن أبي حفصة فِي هَذَا الْحَدِيث! انظر ( سنن الترمذي ج 3 ص 72 ، و تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف ج 13 ص 231 ، و ذخيرة العقبى في شرح المجتبى ج 35 ص 124 ، و تقرير ترمذي ج 1 ص 21 ).

[42] ـ مصدَرٌ للمُبالَغة لَا لحقيقة التَّـثـنية، بمعنی: احذَر حذراً بعدَ حذرٍ. و قال سِيبوَيه في حذَاريكَ: « لِيكُن مِنك حذرٌ بعدَ حذرٍ أَي احذر أبدًا ». و لَايُستعمَلُ حذراً مفرداً. انظر ( الكتاب لسيبويه ج 1 ص 349 ، و ارتشاف الضرب من لسان العرب ج ص 1365 ، و موسوعة النحو والصرف والإعراب ص 346 ، و مرجع الطلاب في الإعراب ص 170 ، و المعجم المفصّل في الإعراب ص 164 ، و معجم القواعد العربية ج 1 ص 281 ، و شرح كتاب سيبويه للسيرافي ج 2 ص 239 ).

[43] ـ إن أردتَ تعريف الأدب، و أهميتَه و مكانتَه، فارجع إلی ( أدب الاختلاف في مسائل العلم و الدين ص 71 – 77 ، و معالم إرشادية ص 221 ).

[44] ـ کذا في ( تعليم المتعلم طريق التعلم ص 24 ). و عَنْ عَلِىٍّ رضي الله تعالی عنه قَالَ: يَا طَالِبَ الْعِلْمِ! إِنَّ الْعِلْمَ ذُو فَضَائِلَ كثيرة: فَرَأسُهُ التَّوَاضعُ، وَ عَيْنُهُ الْبَرَاءةُ مِنَ الْحَسَدِ، وَ أُذُنُهُ الْفَهْمُ، وَ لِسَانُهُ الصِّدْقُ، وَ حِفْظُهُ الْفَحْصُ، وَ قَلْبُهُ حُسْنُ النِّيَّة، وَ عَقْلُهُ مَعْرِفَةُ الأَشْيَاءِ وَ الأُمُورِ الْوَاجِبَةِ، وَ يَدُهُ الرَّحْمَةُ، وَ رِجْلُهُ زِيَارَةُ الْعُلَمَاءِ، وَ هِمَّتُهُ السَّلاَمَةُ، وَ حِكْمَتُهُ الْوَرعُ، وَ مُسْتَقَرُّهُ النَّجَاةُ، وَ قَائِدهُ الْعَافِيَةُ، وَ مَرْكَبُهُ الْوَقَارُ، وَ سلاَحُهُ لِينُ الْكَلِمَةِ، وَ سَيْفهُ الرِّضَى، وَ قَوْسُهُ الْمُدَارَاةُ، وَ جَيْشُهُ مجاوَرَةُ الْعُلَمَاءِ، وَ مَالُهُ الأَدَبُ، وَ ذَخِيرَتُهُ اجْتِنَابُ الذُّنُوبِ، وَ زَادُهُ الْمَعْروفُ، وَ مَأوَاهُ الْمُوَادَعَةُ، وَ دَلِيلُهُ الْهُدَى، وَ رَفِيقُهُ صُحْبَةُ الأَخْيَارِ”.

و عَنه أيضا قَالَ: مِنْ حَقِّ الْعَالِم عَلَيْكَ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى الْقَوْم عَامَّةً وَ تَخُصَّهُ دُونَهُمْ بِالتَّحِيَّة، وَ أن تَجْلِسَ أَمَامَهُ و لاَ تُشِيرَنَّ عِنْدَهُ بِيَدِكَ، وَ لاَ تَغْمِزَنَّ بِعَيْنَيْكَ، وَ لاَ تَقُولَنَّ قَالَ فُلاَنٌ خِلاَفًا لِقَوْلِهِ، وَ لاَ تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أَحَدًا، وَ لاَ تُسَارَّ فِى مَجْلِسِهِ، وَ لاَ تَأخُذْ بثَوْبِهِ، وَ لاَ تُلِحَّ عَلَيْهِ إِذَا مَلَّ، وَ لاَ تُعْرِضْ مِنْ طُولِ صُحْبَتِهِ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة النَّخْلَة تَنْتَظِرُ مَتَى يَسْقُطُ عَلَيْكَ مِنْهَا شَيءٌ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ الْعَالِمَ لأَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الصَّائِمِ الْقَائِم الْغَازِي فِى سَبِيلِ اللهِ، فَإِذَا مَاتَ الْعَالِمُ انثَلمَتْ فِي الإِسْلاَمِ ثُلْمَةٌ لاَ يَسُدُّهَا شَيءٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. ( جمع الجوامع المعروف بـ « الجامع الكبير » للسيوطي ج 17 ص 728 ، 729 ).

و روي عَن الإمام الإعظم رحمه الله تعالی و رضي عنه أَنه قَالَ: مَا مددت رجْلي نَحْو سكَّة حَمَّاد قطّ وَ كَانَ بَينهمَا مِقْدَار سبع سِكَك. و روي هكذا أيضا: .. نحو دار أستاذي حماد؛ إجلالاً له. و في بره بوالديه و تعظيمه لشيخه حماد يقول بعضهم:

نُعمَانُ كان أبرَّ الناسِ كُلِّهم           بوَالدَيْه و بالأُسْتاذ حَمَّادِ

مَا مَدَّ رِجْليْهِ يوماً نحْو منزلِه      و دُونَه سِكَكٌ سَبْعٌ كأطْوَادِ

انظر ( الجواهر المضية في طبقات الحنفية ج 2 ص 497 ، و مفتاح السعادة و مصباح السيادة ج 2 ص 189 ، و الطبقات السنية في تراجم الحنفية ص 36 ).

و نقل صاحب ” بلوغ أقصی المرام ” عن طاهر الفاسي عن الشيخ زروق: ” أن من استحقر أستاذه ابتلاه اللهُ – جلّت قدرتُه – بثلاثِ عقوباتٍ: الأولی: أن ينسی ما حفِظَه مِنه، الثانية: أن يكل لسانه عندَ النّزع، الثالثة: أن يخرجَ مِن الدُّنيا بغيرِ إيمان ” اهـ عصم الله الجميع.

و قال الشّعراني: ” أُخِذ علينا العهد العام من رسول الله – صلی الله عليه و سلم – أن نكرم العلماء و نجلهم و نوقّرهم، و لا نری لنا قدرة علی مكافأتهم و لو أعطيناهم جميع ما نملك، أو خدمناهم العمر كله، و هذا العهد قد أخل به غالب طلبة العلم و المريدين في طريق الصوفية الآن، حتی لا نكاد نری أحدا منهم يقوم بواجب حق معلمه، و هذا داء عظيم في الدين يؤذن باستهانة العلم، و بأمرِ مَن أمرَنا بإجلال العلماء – صلی الله عليه و سلم – فصار أحدهم يسخر علی شيخه حتی صار شيخه يداهنه، و يلاطفه ليسكت عنه، فلا حول و لا قوة إلا بالله تعالی “.

قلت: لقد كان الإمام الشعراني في منتصف القرن العاشر الهجري، والله لو كان في عصرنا و شاهد حال المتعلمين في سوء أدبهم – إلا ما شاء الله منهم، و قليل ما هم – لكَلَّ لسانه من أن يتفوه بشيء و لبقي متحيرا مدهشا. فيا لها من مصيبة!!! هدی الله تعالی الجميع.

و قال الشعراني – رحمه الله – في لطائف المنن: ” و ممّا منّ الله تعالی به علي: أدبي مع طلبة العلم من المالكية أكثر من غيرهم، من حيث إن الإمام مالكا – رضي الله عنه – له مشيخة علی إمامي – رضي الله عنه – فكما كان إمامنا يتأدب مع شيخه و أتباعه كأشهب و ابن القاسم، كذلك ينبغي لمقلدي مذهبه أن يتأدبوا مع أتباعه. و قد نقل عن الشيخ محيي الدين النووي – رضي الله عنه – أنه بحث مع بعض المالكية فأغلظ عليه المالكي، فقيل للنووي في ذلك، فقال: إن إمامه شيخ إمامي، فالأدب معه كالأدب مع إمامه. انتهی

و قال طاش كُبری زاده في ” مفتاح السعادة ” بعد أن ذكر ما ذكر في هذا الشأن: ” أنصف من نفسك يا أخي! هل بقي من توقير العلم و العلماء شيء أصلا ؟ فإن اعترضت و قلت: لم يبق مثل هؤلاء الأعلام في هذه الأيام فلا يليق بهم التوقير. فنقول: أما قولك: لم يبق مثل هؤلاء الأعلام فمسلم، و أما قولك: لا يليق بهم التوقير، فما يحق عليه الكير [ لعل الصحیح: فما یحق علیه النکیر ]؛ لأن التوقير لأجل العلم فلا تقصر أنت في حقهم إن كنت تحب العلم، و عدم كونهم أمثال هؤلاء ليس عليك، بل العهدة في ذلك عليهم. و بالجملة: حب العلم يوجب توقير من انتسب إليه، و إلا فلست من المحبين له “، هذا كلامه. انظر ( الهادي إلی رياض الفقه و الفقهاء مع الحاشية ص 51 – 53 ).

و لاشك أن الأدب أهم شيء في جميع الأمور لا سِيّما في طلب العلم المبرور، و لذا أفردها الأفاضل بالتأليف، و ألفوا فيها المؤلفات الكثيرة النافعة، و جمعوا فيها الآداب الجامعة، إما علی وجه العموم لكافة العلوم، أو علی وجه الخصوص لبعض العلوم. فمن جملة الأولی: 1ـ جامع بيان العلم و فضله، للحافظ أبي عمرو يوسف بن عبدالبر القرطبي رحمه الله تعالی ( ت : 463 هـ ). 2ـ تعليم المتعلم طريق التعلم، للشيخ برهان الإسلام الزرنوجي رحمه الله تعالی. 3ـ مقدمة المجموع في شرح المهذب، للإمام النووي رحمه الله تعالی ( ت : 676 هـ ). و قد استفاد منها كل من جاء بعده و كتب في هذا الموضوع. 4ـ تذكرة السامع و المتكلم في أدب العالم و المتعلم، للإمام بدر الدّين محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني رحمه الله تعالی ( ت : 733 ). 5ـ الدّر النضيد في أدب المفيد و المستفيد، للشيخ بدر الدين محمد العزي رحمه الله تعالی ( ت : 984 هـ ). 6ـ معالم إرشادية لصناعة طالب العلم، للمحدث المحقق الشيخ العلامة محمد عوّامة حفظه الله تعالی. 7ـ ومضات النور في طلب العلم المبرور، للدكتور صلاح محمّد أبو الحاج حفظه الله تعالی. 8ـ إلی طالب العلم، للشيخ عبدالماجد الغوري حفظه الله تعالی. 9ـ الهادي إلی رياض الفقه و الفقهاء، لِسلمی بنت المفتي مجيب الرّحمن الديروي حفظهما الله تعالی.

و من الثانية: 1ـ الجامع لأخلاق الراوي و آداب السامع، للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي رحمه الله تعالی ( ت : 463 هـ ). 2ـ آداب المفتي و المستفتي، للحافظ أبي عمرو عثمان ابن الصلاح الشهرزوري رحمه الله تعالی ( ت : 643 هـ ).  3ـ التّبيان في آداب حملة القرآن، للإمام النووي رحمه الله تعالی.

و هذه بعض كتب أجلّة العلماء – علی سبيل المثال لَا الحصر – جزاهم الله عزّ و جلّ خيرا كثيرا، و تقبّل منهم، ينبغي طالبَ العلم أن لاتفوت قرائتُها، و الاعتناءُ بها.

[45]ـ ورد هذا الحديث من طرق كثيرة، و رواه جماعة كما في جمع الوسائل، و المرقاة، للقاري الهروي. فهو مروي عن أبي هريرة، و أيضا عن أنس و جابر و حبيب بن مسلمة و ابن عباس و ابن عمرو و علي و معاوية بن حيدة و أبي الدرداء و أبي ذر و عائشة و آخرين رضي الله تعالی عنهم أجمعين، حتى قال ابن طاهر: إن ابن عدي أورده في أربعة عشرة موضعا من كامله، و عللها كلها، و أفرد أبو نُعيم طرقه ثم شيخنا في ” الإنارة، بطرق غب الزيارة “، و بمجموعها يتقوى الحديث. انظر ( المقاصد الحسنة ص 377 ).

( زر )  يا أبا هريرة أخاك ( غبّا ) منصوب على الظرفية أي: وقتا بعد وقت، و لا تلازم زيارته كل يوم ( تزدد ) عنده ( حبّا ). و بقدر الملازمة تهون عليه و « حبّا » منصوب على التّمييز. قال بعضهم: فالإكثار من الزّيارة مملّ، و الإقلال منها مخلّ. انظر ( منتهى السؤل على وسائل الوصول ج 3 ص 433 ).

و قال بعض الحكماء: لا تترك الزيارة فينسوك، و لا تكثر الزيارة فيملوك، و عن بكر بن عبد الله المزني أنه قال: المريض يعاد، و الصحيح يزار. انظر ( بستان العارفين لأبي الليث السمرقندي ص 329 ).

[46] ـ حسن معاشرة المرأة من أخلاق الإسلام و أصوله الوطيدة، روی الترمذي و ابن حبان في صحيحه، عن أبي هريرةَ  رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: « أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَ خِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ » أي إن أتم صفات الإيمان حسن الخلق، و أفضل المسلمين المحسنون إلی أزواجهم، بدليل حديث آخر عن الترمذي و الحاكم عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: « مِن أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَ أَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ ». أي أكثرهم لطفاً، و أحسنهم معاشرة، و أكرمهم أدباً و خلقاً في معاملة الزوجة.

و النبي صلي الله عليه و سلم في هذا إمام المسلمين و قدوتهم، لما رواه ابن حبان في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ رضی الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: « خَيْرُكُمْ خَيْرکمْ لِأَهْلِهِ، وَ أَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي ». أي إن أفضلكم و أحسنكم براً و نفعاً هو نبيكم، و هو أسوة حسنة لكم.

و من ألزم أسباب حسن معاملة الزوجات كونهن في حال من الضعف ظاهرة، و أصبحن منعزلات عن أهلهن، و صرن كالأسيرات عند أزواجهن، فكان لابد من الإحسان إليهن، لما رواه البخاري و مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: « فاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ » أي إياكم من الإساءة إليهن، و عاملوهن معاملة إنسانية كريمة، و أساس الإحسان: القول الحسن، و الكلمة الطيبة، و العفو عنهن، و الصبر عليهن. ينظر ( أخلاق المسلم – علاقته بالنفس و الكون ص 29 ). و مزيد التفصيل الذي لابد منه في ( أخلاق المسلم – علاقته بالمجتمع ص 78 – 83 ). فارجع إليه.

[47] ـ أخرج ابْن جرير وَ ابْن الْمُنْذر وَ ابْن أبي حَاتِم وَ الْحَاكِم وَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن أبي هُرَيْرَة – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَ سلم: خير النِّسَاء الَّتِي إِذا نظرت إِلَيْهَا سرتك، وَ إِذا أَمَرتهَا أَطَاعَتك، وَ إِذا غبت عَنْهَا حفظتك فِي مَالك و نفسها. ( الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج 2 ص 514 ).

و عنه أيضا رضي الله عنه، قال: قيل لرسول الله – صلى الله عليه و سلم – : أي النساء خير؟ قال: ” التي تسرّه إذا نظر، و تطيعه إذا أمر، و لا تخالفه في نفسها و لا ماله بما يكره “. أخرجه النسائي و الإمام أحمد و الحاكم، و قال: صحيح على شرط مسلم. و وافقه الذهبي، و قال العراقي : سنده صحيح. انظر ( المطالب العالية لابن حجر العسقلاني محقّقًا ج 8 ص 235 ).

و كان محمد بن حسين يقول: اللهم ارزقني امرأة تسرني إذا نظرت، و تطيعني إذا أمرت، و تحفظني إذا غبت!. ( بهجة المجالس و أنس المجالس ص 183 ).

[48] ـ كما أمر الله تعالی بقوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. ( المائدة: 13 ). و عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما – أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: « النِّسَاءُ عَوْرَةٌ خُلِقْنَ مِنْ ضَعْفٍ، فَاسْتُرُوا عَوْرَاتِهِنَّ بِالْبُيُوتِ وَ دَارُوا ضَعْفَهُنَّ بِالسُّكُوتِ ». ( مداراة الناس لابن أبي الدنيا ص 33 ).

[49] ـ عَنْ عَائِشَةَ – رضي الله عنها – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى اللَّه عليه و سلم – قَالَ: ” إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَ يُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَ مَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ “. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ لِعَائِشَةَ – رضي الله عنها – : ” عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَ إِيَّاكِ وَ الْعُنْفَ وَ الْفُحْشَ، إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَ لَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْء إِلَّا شَانَهُ “. انظر ( مشكاة المصابيح رقم 5067 ).

[50] ـ رغب الإسلام في حسن اختيار الأسماء الحسنة للأولاد، و نهی عن الأسماء القبيحة المنفِّرة أو الموجبة للانتقاد و التهكم و التعيير، و هذه سنة اجتماعية حميدة، و أدب رفيع من آداب الإسلام، فما أجدرنا أن نراعي هذه السنة و نحرص عليها، و نبتعد عن الأسماء القبيحة أو التي فيها استعلاء أو استكبار.

و كما أنه يطلب تحسين أسماء الأولاد تطلب تربيتهم تربية حسنة، و تأديبهم علی أخطائهم، كي يعتادوا فعل الأشياء المستحسنة، و ترك الأشياء القبيحة. روی الترمذي حديثاً مرسلاً عن أَيُّوب بْن مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ قَالَ: « مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ ». دل علی ضرورة تأديب الأولاد و تعويدهم فضائل الأعمال، و كرائم الخصال، و ممارسة الأدب الحسن شرعاً و عقلاً و عرفاً.

يؤكده مارواه ابن ماجه عن أَنَس بْن مَالِكٍ يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ و سَلَّمَ قَالَ: أَكْرِمُوا أَوْلاَدَكُمْ وَ أَحْسِنُوا أَدَبَهُمْ. أي ألزموا أولادكم الأدب الحسن. دل علی أمر الآباء بمراعات أدب أبنائهم، و تشذيب أغصانهم، ليشبوا علی الكمال، و يتأدبوا بكتاب الله و سنة رسوله، فيكونوا أمثلة طيبة للخلق الكريم و الأدب الرفيع. ينظر ( أخلاق المسلم – علاقته بالنفس و الكون ص 48 – 53 ).

[51] ـ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ – يَقُولُ: « اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْأَرْبَعِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَ مِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَ مِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَ أَبُو دَاوُدَ وَ ابْنُ مَاجَهْ.

و عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – « أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ – كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا، وَ رِزْقًا طَيِّبًا ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَ ابْنُ مَاجَهْ، وَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ.

و عَنْ جَابِرٍ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ – : ” سَلُوا اللَّهَ عِلْمًا نَافِعًا، وَ تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ” رواه ابن ماجه.

 و روى أبو الشيخ عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم – : ” العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ، وَ مِلاكُ الدِّينِ الوَرَعُ، وَ العالِمُ مَنْ يَعْمَلُ “. ( حسن التنبه لما ورد في التشبه ج 10 ص 340 ). قال المناوي رحمه الله: ( العلم خير من العمل ) لأن العلم وظيفة القلب، و هو أشرف الأعضاء، و العمل وظيفة الجوارح الظاهرة، و لا يكون العمل مقصودا إلا به، و القصد صادر عن القلب، فالعلم مقدم على العمل شرفا و حالا، إذ الشيء يعلم أولا ثم يعمل به، ( و العالم من يعمل ) و من لا يعمل فهو و الجاهل سواء، بل الجاهل خير منه، لأن علمه حجة عليه فأُسُّ طريق العلم و نتيجته العمل، و فائدة العلم إنما هي العمل به، لأن العلم بلا عمل عاطل، و العمل بغير علم باطل. ( فيض القدير شرح الجامع الصغير ج 4 ص 389 ).

و في التنوير: ( و العالم ) الذي يفضل في هذه الأحاديث. ( من يعمل ) فهذا هو العالم الذي يستحق إطلاق اسم العالم عليه لا غيره. ( التنوير شرح الجامع الصغير ج 7 ص 401 ).

و عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ – رضي الله عنه – أَنَّهُ قَالَ: «يَا حَمَلَةَ الْعِلْمِ، اعْمَلُوا بِهِ، فَإِنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ، وَ وَافَقَ عَمَلُهُ عِلْمَهُ، وَ سَيَكُونُ أَقْوَامٌ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، تُخَالِفُ سَرِيرَتُهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ، وَ يُخَالِفُ عَمَلُهُمْ عِلْمَهُمْ، يَجْلِسُونَ حِلَقًا، فَيُبَاهِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى أَنَّ أَحَدَهُمْ لَيَغْضَبُ عَلَى جَلِيسِهِ حِينَ يَجْلِسُ إِلَى غَيْرِهِ وَ يَدَعُهُ، أُولَئِكَ لَا تَصْعَدُ أَعْمَالُهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ تِلْكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ». ( سنن الدارمي ج 1 ص 382 ، و الجامع لأخلاق الراوي و آداب السامع ج 1 ص 89 ، و كنز العمال في سنن الأقوال و الأفعال ج 10 ص 272 ).

و عَن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أَن عمر بن الْخطاب قَالَ لعبد الله بن سَلام: مَن أَرْبَاب الْعلم؟ قَالَ: الَّذين يعْملُونَ بِمَا يعلمُونَ. ( الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج 2 ص 123 ).

و عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – : لن تكونَ عالماً حتى تكون متعلماً، و لا تكون متعلماً حتى تكونَ بما علمت عاملاً، إن أخوف ما أخاف إذا وقفت للحساب أن يُقال لي: “ما عمِلتَ فيما علِمتَ؟

قال أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالی: العلم الذي لا ينتفع به صاحبُه أن يكون الرجل عالماً و لا يكون عاملاً. ( خير الكلام ما قل و دل ص 2 ، 3 ).

و عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالی قال: أجهل الناس من ترك ما تعلم، و أعلم الناس من عمِل بالعلم، و أفضل الناس أخشعهم لله تعالى.

و عن بشر بن الحارث الحافي رحمه الله تعالى قال: لأن تكونَ جاهلاً خيرٌ مِن أن تكون عالماً و لا تعمل. ( حسن التنبه ج 10 ص 340 ).

و كان الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول: كان عيسی عليه الصلاة و السلام يقول: من عمِل بما علِم كان وليّا حقّا.

و كان سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول: قالت لي والدتي: يا بني لا تتعلم العلم إلا إذا نويت العمل به، و إلا فهو وبال عليك يوم القيامة.

( تنبيه المغترين ص 26 ).

و قال حاتِم الأصم رحمه الله: ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علم الناس علماً، فعملوا به و لم يعمل هو به ففازوا بسببه و هلك هو.

و قال مالك بن دينار رحمه الله تعالی: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب، كما يزل القطر عن الصفا. و أنشدوا:

يا واعظ الناس قد أصبحت متهماً

 إذ عبت منهم أموراً أنت تأتيها

أصبحت تنصحهم بالوعظ مجتهداً

 فالموبقات لعمري أنت جانيها

تعيب دنيا و ناساً راغبين لها

 و أنت أكثر منهم رغبة فيها

 و قال آخر:

لا تنه عن خلق و تأتي مثله               عار عليك إذا فعلت عظيم

انظر ( إحياء علوم الدين ج 1 ص 63 ).

و عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: لَا تَكُونُ تَقِيًّا حَتَّى تَكُونَ عَالِمًا، وَ لَا تَكُونُ بِالْعِلْمِ جَمِيلًا حَتَّى تَكُونَ بِهِ عَامِلًا.

وَ عَنِ الْحَسَنِ رحمه الله تعالی قَالَ: الْعَالِمُ الَّذِي وَافَقَ عِلْمُهُ عَمَلَهُ، وَ مَنْ خَالَفَ عِلْمُهُ عَمَلَهُ فَذَلِكَ رَاوِيَةُ أَحَادِيثَ سَمِعَ شَيْئًا فَقَالَهُ. (المهذب في الآداب الإسلامية ص 184).

و قال ابن جماعة بعدَ ما بيّنَ فضل العِلم: و اعلم أن جميع ما ذُكِرَ من فضيلة العلم و العلماء، إنما هو في حق العلماء العاملين الأبرار المتقين الذين قصدوا به وجه الله الكريم، و الزلفى لديه في جنات النعيم، لا مَن طلَبه بسوء نية أو خبث طوية، أو لأغراض دنيوية مِن جاه أو مال أو مكاثرة في الأتباع و الطلاب. ( تذكرة السامع و المتكلم في أدب العالم و المتعلم ص 9 ).

و الآيات و الآثار في نفي العلم عمن لم يعمل بعلمه، و أن العالم حقيقة: هو العامل بعلمه، أكثر من أن تحصى، و أحيلها إلی ( أعلام السنة المنشورة في صفة الطائفة المنصورة ج 1 ص 341 ..  ). و قد ذكر الإمام المحدث الشيخ عبدالحق الدهلوي، وعيد من لم يعمل بعلمه في كتابه ( أنوار السنة لرواد الجنة ج 2 ص 97 – 100 ). فراجعهما. و انظر ( العهود المحمدية ص 265 ).

[52] ـ مأخوذ ممّا ورد ( تخيّروا لِنُطفِكم فإِنّ العرقَ دسّاس ). انظر ( تيسير الوصول إلی أمثال و حكم الرسول ص 118 ).

و عَنِ ابْنِ عُمَرَ – رضي الله عنهما – قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ يَقُولُ: وَ هُوَ يُوصِي رَجُلًا يَقُولُ: ” يَا أَبَا فُلَانٍ: أَقِلَّ مِنَ الدَّيْنِ تَعِشْ حُرًّا، وَ أَقِلَّ مِنَ الذُّنُوبِ يَهُنْ عَلَيْكَ الْمَوْتُ، وَ انْظُرْ فِي أَيِّ نِصَابٍ تَضَعُ وَلَدَكَ فَإِنَّ الْعِرْقَ دَسَّاسٌ ” ( معجم ابن الأعرابي ج 2 ص 501 ، و مسند الشهاب ج 1 ص 370 ).

العرق: الأصل، و دساس: أي دخَّـال، لأنه ينزع في خفاء و لطف. و المراد أن الولد يجيء مشبها لأهل الزوجة في العمل و الأخلاق؛ فليختر المتزوج الأصل الطيب. انظر ( التنوير ج 5 ص 34 ).

و قال المناوي: فعلى العاقل أن يتخير لنطفته و لا يضعها إلا في أصل أصيل و عنصر طاهر، فإن الولد فيه عرق ينزع إلى أمه فهو تابع لها في الأخلاق و الطباع. ( فيض القدير ج 6 ص 295 ). و لزيادة التحقيق راجع إلی ( أدب الطفولة بين القرآن الكريم و السنة الشريفة ص 26 ، و محو الأمية التربوية ص 17 ، و أطفالنا و حب الله عزّ و جلّ ص 6 ).

و قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالی: أيُّما رجالٌ أو أهلُ بيتٍ لم يخرج نساؤهم إلى رجال غيرهم، و رجالُهم إلى نساء غيرِهم، إلّا كَانَ في أولادهم حُمْقٌ. ( تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام ج 14 ص 327 ، و سير أعلام النبلاء ج 10 ص 43 ، و مناقب الإمام الشافعي ص 43 ).

و قال الفقهاء: و يختار الحسيبة ليكون ولدها نجيباً فإنَّه ربما أشبهَ أهلَها و نزع إليهم و كان يقال: إذا أردت أن تتزوج امرأة فانظر إلی أبيها و أخيها.

و الأفضل أن تكون المرأة بعيدة في النسب عن زوجها لا قريبة، فإن المرأة البعيدة في النسب أنجبُ، و يكون أولادُها أصحَّ و أقوی، و لهذا قيل: أغرِبُوا و لا تَضوُوا. أي تزوجوا الغريبات حتی لايضعُفَ أولادُكم.

و قيل أيضاً: الغريبات أنجب، و بنات العم أصبَـر. و قد يحدث خلاف بعد الزواج قد يؤدي إلی الطلاق، و إذا حدث طلاق الزوجة القريبة تَسَبَّب في قطيعة الرحم التي أمر الله بصلتها. ( الفقه الحنفي في ثوبه الجديد ج 2 ص 48 ).

[53] ـ مقتبس مما ورد ( اتَّبِعُوا العُلَماءَ فإنَّهُمْ سُرُجُ الدُّنْيا و مَصابِيحُ الآخِرَةِ ). أي يستضاء بهم من ظلمات الجهل كما ينجلي ظلام الليل بالسراج المنير. فمن اقتدى بهم اهتدى بنورهم. و شبه العالم بالسراج لأنه تقتبس منه الأنوار بسهولة و تبقى فروعه بعده و كذا العالم و لأن البيت إذا كان فيه سراج لم يتجاسر اللص على دخوله مخافة أن يفتضح و كذا العلماء إذا كانوا بين الناس اهتدوا بهم إلى طلب الحق و السنة و إزاحة ظلم الجهل و البدعة و لأنه إذا كان في البيت سراج موضوع في كوة مسدودة بزجاجة أضاء داخل البيت و خارجه و كذا سراج العلم يضيء في القلب و خارج القلب حتى يرق نوره على الأذنين و العينين و اللسان فتظهر فنون الطاعات من هذه الأعضاء و لأن البيت الذي فيه سراج صاحبه مستأنس مسرور فإذا طفئ استوحش فكذا العلماء ما داموا في الناس فهم مستأنسون مسرورون فإذا ماتوا صار الناس في غم و حزن. ( فيض القدير ج 1 ص 106 ).

عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ – رضي الله عنه – قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ – صلى الله عليه و سلم – إِذَا رَأَى الَّذِينَ يبتغونَ العِلْمَ قَالَ: مَرْحَبًا بكم يَنَابِيعَ الحِكْمَةِ مَصَابِيحَ الظُّلَمِ خُلْقَانَ الثِيَّابِ، جُدُدَ القُلُوبِ ريحانَ كُلِّ قَبِيلَةٍ “. انظر ( الجامع الكبير للسيوطي ج 21 ص 471 ، 472 ، و كنز العمال ج 10 ص 260 ).

و عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: « مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ خَيْرًا، فَقَّهَهُمْ فِي دِينِهِ، وَ عَلَّمَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ، وَ صَارُوا سُرُجًا لِلْعِبَادِ، وَ مَنَارًا لِلْبِلاَدِ.

و روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم – : ” إِنَّ مَثَلَ العُلَماءِ فِي الأَرْضِ كَمَثَلِ النُّجُومِ يُهْتَدى بِها فِي ظُلُماتِ البَرِّ وَالبَحْرِ؛ فَإِذا انْطَمَسَتِ النُّجُومُ أَوْشَكَ أَنْ تَضِلَّ الْهُداةُ “.

وَ هَذَا الْمَثَلُ مِنْ أَوْقَعِ الْمِثَالِ، لأَنَّ طُرُقَ التَّوْحِيدِ وَ الْعِلْمِ بِالآخِرَةِ لا يُدْرَكُ بِالْحِسِّ وَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ، وَ الْعُلَمَاءُ هُمُ الأَدِلاءُ فَإِذَا فُقِدُوا ضَلَّ السَّالِكُ.

وَ قَالَ الْحَسَنُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ { إنَّمَا مَثَلُ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَرْضِ مَثَلُ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ إذَا رَآهَا النَّاسُ اقْتَدَوْا بِهَا، وَ إِذَا عَمِيَتْ عَلَيْهِمْ تَحَيَّرُوا }.

فهؤلاء العلماء هم مصابيح الهدى التي تدل الناس على منهج الله، وترشدهم إلى دين الله، و هم منابع الخير و السعادة و الفلاح، يملؤون العقول بالعلم و الحكمة، و يهذبون النفوس و يزكونها بمراقبة الله و ذكره على الدوام، و ينشؤون الجيل القوي بعقيدته، الكريم بأخلاقه، النافع لأمته، المخلص في بناء وطنه، فهم روح الأمة و كنزها الأكبر.

و روى ابن عدي عن علي رضي الله تعالى عنه، عن النبي – صلى الله عليه و سلم – قال: ” العُلَماءُ مَصابِيحُ الأَرْضِ، وَ خُلَفاءُ الأَنْبِياءِ، وَ وَرثَتِي وَ وَرَثَةُ الأَنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ “.

و إذا كان العلماء مصادر السعادة لمن لاذ بهم و أخلص في صحبتهم في الدنيا، فهم تمام السعادة في الآخرة، يحشر أتباعهم بمعيتهم، ثم يشفعون بهم، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ – رضي الله عنه –  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: ” يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ “. رواه ابن ماجه و غيره. و عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: ” يُبْعَثُ الْعَالِمُ وَ الْعَابِدُ، فَيُقَالُ لِلْعَابِدِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، وَ يُقَالُ لِلْعَالَمِ: اثْبُتْ حَتَّى تَشْفَعَ لِلنَّاسِ بِمَا أَحْسَنْتَ أَدَبَهُمْ ” رواه البيهقي و غيره.

و قال بعضهم: الْعُلَمَاءُ سُرُجُ الْأَزْمِنَةِ، فَكُلُّ عَالِمٍ مِصْبَاحُ زَمَانِهِ يَسْتَضِيءُ أَهْلُ عَصْرِهِ. انظر ( أخلاق العلماء ص 14 ، و حسن التنبه ج 4 ص 42 ، و الآداب الشرعية ج 2 ص 37 ، و الآداب الإسلامية للناشئة ص 65 ، و تنبيه الغافلين للسمرقندي ص 430 ، و الإبانة الكبری لابن بطة ج 1 ص 203 ، و إحياء علوم الدين ج 1 ص 11 ، و التبصرة لابن الجوزي ج 2 ص 192 ).

[54] ـ قد أورد المحدثون في كتبهم أحاديث في وجوب تبليغ العلم، و فضل نشره، و ذم كتمه، أبوابا و فصولا، فليرجع إلی مواضعها.

منها ما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله – صلى الله عليه و سلم – خرج ذات يوم على أصحابه، فرأى مجلسين؛ أحدهما يدعو الله، و الثاني يعلمون الناس، فقال: “أَمَّا هَؤُلاءِ يَسْألونَ الله؛ إِنْ شاءَ أَعْطاهُمْ وَ إِنْ شاءَ مَنَعَهُمْ، وَ أَمَّا هَؤُلاءِ فَيُعَلّمُونَ النَّاسَ؛ و إِنَّما بُعِثْتُ مُعَلِّماً”، و جلس معهم.

و روى ابن المبارك في “الزهد و الرقائق” عن زيد بن أسلم – رحمهما الله تعالى – مرسلاً قال: قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم -: “كَلِمَةٌ مِنَ الْحِكْمَةِ يَسْمَعُها الْمُؤْمِنُ، فَيَعْمَلُ بِها وَ يُعَلِّمُها خَيْرٌ لَهُ مِنْ عِبادَةِ سَنَةٍ”.

و روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم -: “نِعْمَ العَطِيَّةُ كَلِمَةُ حَقٍّ تَسْمَعُها، ثُمَّ تَحْمِلُها إلَى أَخٍ لَكَ مُسْلِمٍ فتعَلِّمُها إِيَّاهُ”.

و روى البزار بسند رجاله ثقات، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم -: “العُلَماءُ خُلَفاءُ الأَنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَ السَّلامُ”.

و روى ابن عبد البر عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: « رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى خُلَفَائِي » ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالُوا: وَ مَنْ خُلَفَاؤُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: « الَّذِينَ يُحْيُونَ سُنَّتِي وَ يُعَلِّمُونَهَا عِبَادَ اللَّهِ ».

وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: ” عُلَمَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ رَجُلَانِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا، فَبَذَلَهُ لِلنَّاسِ، وَ لَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ طَمَعًا وَ لَمْ يَشْتَرِ بِهِ ثَمَنًا، فَذَلِكَ تَسْتَغْفِرُ لَهُ حِيتَانُ الْبَحْرِ وَ دَوَابُّ الْبَرِّ وَ الطَّيْرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، وَ يَقْدَمُ عَلَى اللَّهِ سَيِّدًا شَرِيفًا حَتَّى يُرَافِقَ الْمُرْسَلِينَ، وَ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا، فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَ أَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعًا، وَ اشْتَرَى بِهِ ثَمَنًا، فَذَاكَ يُلْجَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ، وَ يُنَادِي مُنَادٍ: هَذَا الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَ أَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعًا، وَ اشْتَرَى بِهِ ثَمَنًا، وَ كَذَلِكَ حَتَّى يَفْرَغَ مِنَ الْحِسَابِ “.

وَ عَنْ جَابِرٍ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: ” مُعَلِّمُ الْخَيْرِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبِحَارِ “. رَوَاهُما الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ.

وَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: « ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ – رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَ الْآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ -: ( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ -: ( إِنَّ اللَّهَ وَ مَلَائِكَتَهُ وَ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَ حَتَّى الْحُوتَ، لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ ) ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

ثم اعلم أَنّ البخل أنواعٌ: بخل بالمال، و بخل بالعلم، و بخل بالطعام، و بخل بالسلام، و بخل بالكلام، و بخل على الأقارب دون الأجانب، و بخل بالجاه، و كلّها نقائص و رذائل مذمومة عقلاً و شرعًا. و البخل بالعلم هو من أسوأ أنواع البخل و أقبحها, بحيث يكتم صاحب العلم عِلمَه عمَّن يحتاجه, فلا يعلِّم و لاينصح و لا يوجه، قال الله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَ يَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا. ( النساء: 37 ).

قال ابن عباس: هي في أهل الكتاب يقول: يكتمون و يأمرون الناس بالكتمان. و قال حضرمي: هم اليهود بخلوا بما عندهم من العلم و كتموا ذلك.

و قال سعيد بن جبير: كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم، و ينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئا، فعيرهم الله بذلك فأنزل الله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الآية. و قال: هذا في العلم ليس للدنيا منه شيء.

و قال الإمام الطبري: إِنَّ بُخْلَهُمُ الَّذِي وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِه إِنَّمَا كَانَ بُخْلاً بِالْعِلْمِ الَّذِي كَانَ اللَّهُ آتَاهُمُوهُ، فَبَخِلُوا بِتَبْيِينِهِ لِلنَّاسِ، وَ كَتَمُوهُ دُونَ الْبُخْلِ بِالأَمْوَالِ. انظر ( الأنوار الساطعات لآيات جامعات ص 184 ، و موسوعة الأخلاق الإسلامية ج 2 ص 165 ، و حسن التنبه ج 4 ص 44 – 46 ، و جامع بيان العلم ج 1 ص 207 ، و مجمع الزوائد و منبع الفوائد ج 1 ص 124 ).

و من سوء الخلق البخل بالعلم، و الجود بالعلم أسمى من الجود بالمال؛ لأن شرف العلم أسمى من شرف المال، و من بخل بعِلمِه و كتمَ ما عندَه، فقد ظلمَ نفسَه، و بآءَ بالخسران المبين. قال الله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لَا تَكْتُمُونَهُ. ( آل عمران: 187 ).

و من قرأ تَراجِم أهلِ العِلم وقفَ على كرمهم و جودِهم بالعلم ما لا يسع المجال لنقله. (موسوعة الأخلاق ص 307).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ قَالَ: أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ عِلْمًا ثُمَّ يُعَلِّمَهُ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ. رواه ابن ماجه. وَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لِقَاحُ الْمَعْرِفَةِ دِرَاسَةُ الْعِلْمِ. انظر ( جامع بيان العلم ج 1 ص 506 ).

وَ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ يُؤْخَذُ عَلَى الْجَاهِلِ عَهْدٌ بِطَلَبِ الْعِلْمِ، حَتَّى أُخِذَ عَلَى الْعُلَمَاءِ عَهْدٌ بِبَذْلِ الْعِلْمِ لِلْجُهَّالِ، لِأَنَّ الْعِلْمَ كَانَ قَبْلَ الْجَهْلِ.

المرجع السابق ج 1 ص 492 . و نقل عنه المناوي هكذا: قال علي كرم الله وجهه: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلَّموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلِّموا. ( فيض القدير ج 3 ص 145 ).

و عنه أيضا: تَذَاكَرُوا هَذَا الْحَدِيثَ، وَ تَزَاوَرُوا، فَإِنَّكُمْ إِنْ لَا تَفْعَلُوا، يَدْرُسْ. و في رواية: فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا يَدْرُسْ عِلْمُكُمْ. و في أخری : فإنكم إن لم تفعلوا ذلك ذهب. انظر ( سنن الدارمي ج 1 ص 488 ، و مصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 189 ، و المسند لعبد الله بن وهب ص 131 ، و جامع بيان العلم ج 1 ص 422 – 423 و ..).

و قال أبو سعيدٍ الخُدْريُّ – رضي الله عنه – : تحدَّثوا؛ فإنَّ الحديثَ يُهَيِّجُ الحديثَ. و في لفظ: تَذَاكَرُوا؛ فإنَّ الحديثَ يُذكرُ الحديثَ.

و قال عَلْقمة: تَذَاكروا الحديثَ؛ فإنَّ حياتَهُ ذِكْرُهُ. و قَالَ عبدُالرحمن بنُ أبي ليلى: إحياءُ الحديثِ مذاكرتُهُ. انظر ( العلل لابن أبي حاتم ج 1 ص 79 – 80 ).

و عَنْ كَعْبٍ قَالَ: اطْلُبُوا الْعِلْمَ لِلَّهِ، وَ تَوَاضَعُوا لَهُ، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَوَاضَعُ لأَهْلِهِ، ثُمَّ ضَعُوهُ فِي أَهْلِهِ. ( تاريخ بغداد ج 8 ص 227 ).

و قال أيضا: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى مُوسَى – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ – أَنْ تَعَلَّمْ يَا مُوسَى الْخَيْرَ، وَ عَلِّمْهُ لِلنَّاسِ، فَإِنِّي مُنَوِّرٌ لِمُعَلِّمِ الْخَيْرِ وَ مُتَعَلِّمِهِ فِي قُبُورِهِمْ، حَتَّى لا يَسْتَوْحِشُوا فِي مَكَانِهِمْ. انظر ( التبصرة لابن الجوزي ص 193 ، و مختصر منهاج القاصدين ص 15 ، و غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب ج 2 ص 517 ). وَ عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ قَالَ: أَوَّلُ مَنْفَعَةِ العِلْمِ أَنْ يُفِيْدَ بَعْضُهُم بَعْضاً. ( سير أعلام النبلاء ج 8 ص 398 ).

و عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ، وَ تَرْكُ الْمُذَاكَرَةِ. انظر ( سنن الدارمي ج 1 ص 487 ). و يروی عنه هكذا أيضا: إِنَّمَا يُذْهِبُ الْعِلْمَ النِّسْيَانُ، وَ تَرْكُ الْمُذَاكَرَةِ. انظر ( حلية الأولياء ج 3 ص 364 ، و جامع بيان العلم ج 1 ص 443 ). و قَالَ الْحَسَنُ: غَائِلَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ، وَ تَرْكُ الْمُذَاكَرَةِ. كذا في ( جامع بيان العلم ج 1 ص 444 ). و في لفظ: غائلة العلم النسيان، و حياته المذاكرة. انظر ( تهذيب الكمال في أسماء الرجال ج 6 ص 121 ). قال مطرف: و كان مالك إذا ودعه أحدٌ من طلَبة العلم عندَه، يقول لهم: اتقوا الله في هذا العلم، و لا تنزلوا به دار مضيعة، و بثوه و لا تكتموه. ( ترتيب المدارك و تقريب المسالك ج 2 ص 65 ).

و عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: كُنَّا إِذَا وَدَّعْنَا مَالِكًا يَقُولُ لَنَا: اتَّقُوا اللَّهَ وَ انْشُرُوا هَذَا الْعِلْمَ وَ عَلِّمُوهُ وَ لَا تَكْتُمُوهُ. ( جامع بيان العلم ج 1 ص 492 ).

و عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: أَجْهَلُ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ مَا يَعْلَمُ، وَ أَعْلَمُ النَّاسِ مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ، وَ أَفْضَلُ النَّاسِ أَخْشَعَهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ. ( سنن الدارمي ج 1 ص 355 ). و يَقُولُ أيضا: يُرَادُ لِلْعِلْمِ الْحِفْظُ، وَ الْعَمَلُ، وَ الِاسْتِمَاعُ، وَ الْإِنْصَاتُ، وَ النَّشْرُ. انظر المرجعين السابقين.

و قال غيره: الاستماع، ثم الإنصات، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر و هو الأولى، و قال ذو النون، عن ابن عيينة: أول العلم: الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر، فزاد الفهم بعد الاستماع، و روي عن ابن المبارك قوله: أول العلم: النية، ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر، و عن الفضيل بن عياض: أول العلم: الإِنصات، ثم الاستماع، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر. انظر ( فتح المنان شرح و تحقيق كتاب الدارمي ج 3 ص 24 ).

و قال بعض العلماء: عَلِّمْ عِلْمَكَ مَنْ يَجْهَلُ وَ تَعَلَّمْ مِمَّنْ يَعْلَمُ؛ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ عَلِمْتَ مَا جَهِلْتَ وَ حَفِظْتَ مَا عَلِمْتَ. انظر ( أدب الدنيا و الدين للماوردي ص 80 و جامع بيان العلم و فضله ج 1 ص 429 و إحياء علوم الدين ج 1 ص 11 ). وَ قَالَ بَعْضُهم: مَنْ أَكْثَرَ الْمُذَاكَرَةَ بِالْعِلْمِ لَمْ يَنْسَ مَا عَلِمَ وَ اسْتَفَادَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. ( أدب الدنيا و الدين للماوردي ص 52 ). و قال الشاعر:

إِذَا لَمْ يُذَاكِرْ ذُو الْعُلُومِ بِعِلْمِهِ … وَ لَمْ يَسْتَزِدْ عِلْمًا نَسِيَ مَا تَعَلَّمَا

وَ كَمْ جَامَعٍ لِلْعِلْمِ فِي كُلِّ مَذْهَبٍ … يَزِيدُ عَلَى الْأَيَّامِ فِي جَمْعِهِ عَمَا

وَ قَالَ آخَرُ:

مَا يُدْرِكُ الْعِلْمَ إِلَّا مُشْتَغِلٌ … بِالْعِلْمِ هِمَّتُهُ الْقِرْطَاسُ وَ الْقَلَمُ.

انظر ( جامع بيان العلم ج 1 ص 430 ).

و قال شمس الدين السفاريني: حِرْمَانُ الْعِلْمِ يَكُونُ بِسِتَّةِ أَوْجُهٍ: ( أَحَدُهَا ): تَرْكُ السُّؤَالِ. ( الثَّانِي ): سُوءُ الْإِنْصَاتِ وَ عَدَمُ إلْقَاءِ السَّمْعِ. ( الثَّالِثُ ): سُوءُ الْفَهْمِ. ( الرَّابِعُ ): عَدَمُ الْحِفْظِ. ( الْخَامِسُ ): عَدَمُ نَشْرِهِ وَ تَعْلِيمِهِ، فَمَنْ خَزَّنَ عِلْمَهُ وَ لَمْ يَنْشُرْهُ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِنِسْيَانِهِ جَزَاءً وِفَاقًا. ( السَّادِسُ ): عَدَمُ الْعَمَلِ بِهِ، فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهِ يُوجِبُ تَذَكُّرَهُ وَ تَدَبُّرَهُ وَ مُرَاعَاتَهُ وَ النَّظَرَ فِيهِ، فَإِذَا أَهْمَلَ الْعَمَلَ بِهِ نَسِيَهُ. انظر ( غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب ج 1 ص 44 ).

و قد جاء ذمّ كتم العلم عن السلف رحمهم الله، فرُوي عن سفيان الثوريّ رحمه الله أنه قال: من بَخِل بالعلم ابتُلي بإحدى ثلاث: أن ينساه، أو يموت، ولا يُنتفع به، أو تذهب كتبه. و عن ابن المبارك رحمه الله أنه قال: من بَخِلَ بالعلم ابتُلي بثلاث: إما أن يموت، فيذهب علمه، أو يَنسى، أو يتّبع السلطان، و عن ابن معين رحمه الله قال: من بخل بالحديث، و كتم على الناس سماعهم لم يُفلح، و كذا قال إسحاق بن راهويه.

هذه أمهات البخل بالعلم و الفائدة، إما أن يُنسى، أو يموت صاحبه و لا يحياه، و إما أن تذهب كتبه بالحرق أو التلَف أو الضياع! و ليس من سمة العقلاء البخل بالعلم و الخير. فمن لم ينشغل بالعلم فلا بد أَنَّ ينشغل بشيء آخر كالمنصب. انظر ( مشارق الأنوار الوهاجة ج 4 ص 518 ، و تحبير الوريقات بشرح الثلاثيات ص 21 ، و تنبيهات الأكابر ص 11 ، و دروس شرح مسلم المحررة ج 6 ص 3 ).

و قال ابن حبان البستي: و إذا رزق منه الحظ لا يبخل بالإفادة، لأن أول بركة العلم الإفادة، و ما رأيت أحدا قط بخل بالعلم إلا لم ينتفع بعلمه، و كما لا ينتفع بالماء الساكن تحت الأرض مَا لم ينبع، و لا بالذهب الأحمر مَا لم يستخرج من معدنه، و لا باللؤلؤ النفيس مَا لم يخرج من بحره، كذلك لا ينتفع بالعلم مَا دام مكنونا لا ينشر و لا يفاد. انظر ( روضة العقلاء و نزهة الفضلاء ص 40 ).

وَ مَا دَامَ الْعِلْمُ بَاقِيًا فِي الْأَرْضِ، فَالنَّاسُ فِي هُدًى، وَ بَقَاءُ الْعِلْمِ بَقَاءُ حَمَلَتِهِ، فَإِذَا ذَهَبَ حَمَلَتُهُ وَ مَنْ يَقُومُ بِهِ، وَقَعَ النَّاسُ فِي الضَّلَالِ، كَمَا فِي ” الصَّحِيحَيْنِ ” عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، قَالَ: « إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ صُدُورِ النَّاسِ، وَ لَكِنْ يَقْبِضُهُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَ أَضَلُّوا ».

وَ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ يَوْمًا رَفْعَ الْعِلْمِ، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَ قَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ، وَ أَقْرَأْنَاهُ نِسَاءَنَا وَ أَبْنَاءَنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَ الْإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى، فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ؟.

و روى الإمام أحمد و الدارمي و الطبراني في الكبير و أبو الشيخ في تفسيره، و ابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: « يا أيها الناس خذوا من العلم قبل أن يقبض العلم، و قبل أن يرفع العلم »، قيل: يا رسول الله، كيف يرفع العلم و هذا القرآن بين أظهرنا؟ فقال: « ثكلتك أمك، و هذه اليهود و النصارى أو ليست بين أظهرهم المصاحف لم يصبحوا يتعلقوا بالحرف مما جاءتهم به أنبياؤهم ألا و إن ذهاب العلم أن تذهب حملته ».

و روى الطبراني في الكبير و الخطيب عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: « يا أيها الناس، عليكم بالعلم قبل أن يقبض، و قبل أن يرفع، العالم و المتعلم شريكان في الأجر و لا خير في سائر الناس بعد ».

و روى الديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: « تعلموا العلم قبل أن يرفع، فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إلى ما عنده ». و رواه ابن مسعود و زاد: و إياكم و التنطع و البدع و عليكم بالعتيق.

وَ عَن هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ قَالَ: سألتُ سعيد بن جبير؛ قلتُ: يا أبا عبد الله؛ ما علامة هلاك الناس؟ قال: ” إذا هَلَكَ علماؤهم “. صحيح. أخرجه الدارمي و ابن أبي شيبة في “مصنفه” و ابن عبد البر فى “جامع بيان العلم” من طريق: ثابت بن يزيد به. و أخرجه ابن سعد في “الطبقات الكبرى” و الخطيب في “الفقيه و المتفقه” و البيهقي في “شعب الإيمان” و ابن وضاح في “البدع” و أبو نعيم في “الحلية” و المزي في “تهذيب الكمال”.من طرق؛ عن هلال بن خباب به.

و عن ابن عباس – رضي الله عنهما -، قال: “هل تدرونَ ما ذهاب العلم”؟ قالوا: لا. قال: “ذهاب العلماء”. أخرجه الدارمي و أبو خيثمة في “العلم” من طريق؛ قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس به. و إسناده صحيح. و قال سفيان بنْ عيينة: ” و أي عقوبة أشد على أهل الجهل أن يذهب أهلُ العلم؟ “.  انظر ( الصحيح المسند من أقوال الصحابة و التابعين ج 1 ص 103 ، 104 ، و الإعلام بحرمة أهل العلم و الإسلام ص 177 ، و جامع العلوم و الحكم ج 2 ص 298 ، و سبل الهدى و الرشاد، في سيرة خير العباد ج 10 ص 127 ).

قال الحكيم الترمذي رحمه الله : صلاح خمسة في خمسة : صلاح الصبي في المكتب ، و صلاح الفتى في العلم ، و صلاح الكهل في المسجد ، و صلاح المرأة في البيت، و صلاح المؤذي في السجن. ( أنيس الفضلاء من سير أعلام النبلاء ص 161 ).

[55] ـ اعلم أن كل علم يتوصل به إلى فرض عين فتحصيله فرض عين، كالعلم المتعلق بمعرفة الله تعالى و الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و معرفة الحلال و الحرام و نحو ذلك، و ما يتوصل به إلى فرض الكفاية فتحصيله فرض كفاية، و تمامه في خطبة الدر المختار، و تعليم المتعلم. ( حاشية الطحطاوي علی مراقي الفلاح ص 11 ).

[56] ـ علی وفق ما أمر الله تعالی به عباده بقوله: وَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوَى وَ لَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.

( المائدة : 2 ).

[57] ـ مأخوذ من أحاديث النبي صلی الله عليه و سلم، فعَنْ أَبِي مُوسَى – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –  قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ – إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ « بَشِّرُوا وَ لَا تُنَفِّرُوا وَ يَسِّرُوا وَ لَا تُعَسِّرُوا » . رواه البخاري و مسلم و أبوداود.

 وَ عَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ – « يَسِّرُوا وَ لَا تُعَسِّرُوا وَ سَكِّنُوا وَ لَا تُنَفِّرُوا ». رواه البخاري و مسلم و أحمد و النسائي.

[58]ـ ورد بألفاظ مختلفة من أمثال العرب و أقوال السلف، و يضرب في الأمر بالتوسط، و لعل هذا مقتبس منها. قال العجلوني: لا تكُن حلوا فتبلَع و لا مرا فتلفَظ. هو مِن حكم لُقمان قالَه لابنه، أخرجه ابن أبي شيبة، و أحمد في الزهد، و البيهقي عن الحسن رضي الله تعالى عنه. انظر ( كشف الخفاء ج 2 ص 466 ، و العزلة للخطابي ص 81  ). المعنى: لا تمكن الناس مِن نفسك و لَا تتابعهُم في كلّ شيء فلا يبقوا عليك و ينبسطوا إليك، و لا تنافرهم و تخالفهم في كل شيء فيجانبوك و يرفضوك فيَقعوا فيك. ( قوت القلوب في معاملة المحبوب ج 2 ص 391 ). و من أمثال العرب: لاَ تَكُنْ رَطْباً فَتُعْصَرَ و لاَ يَابِساً فتُكْسَرَ، و ذلك لأن خير الأمور أوسطها، و رعاية مقتضى الحال قاعدة الحكيم. انظر ( مجمع الأمثال ج 2 ص 257 ، و روح البيان ج 5 ص 389 ).

[59] ـ ذكر المبرد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل عن الدنيا و الآخرة، فقال: هما كالمَشرق و المَغرب، بقدر ما تقربُ مِن أحدِهما تبعدُ عَن الآخر. ( بهجة المجالس و أنس المجالس ص 234 ). و قد عقد الإمام القرطبي فيه بابا، و سماه باب ذكر الدنيا، فأفاد و أجاد، فليرجع إليه.

و عن علي رضي الله عنه مرفوعًا: مَن ازداد علمًا فلَم يزدَد في الدنيا زهدًا، لم يزدَد مِن الله عَزَّ وَ جَلَّ إلَّا بعدًا. ( فتح المنان شرح و تحقيق كتاب الدارمي ج 3 ص 140 ).

وَ قَالَ سُفْيَانُ رحمه الله تعالی: مَا ازْدَادَ عَبْدٌ عِلْمًا، فَازْدَادَ فِي الدُّنْيَا رَغْبَةً، إلَّا ازْدَادَ مِنْ اللَّهِ بُعْدًا. ( سنن الدارمي ج 1 ص 385 ).

و قال الشبلي رحمه الله تعالی: كل علم لا يؤدي إلى ترك الدنيا فليس بعلم. انظر ( المدخل إلى طلب العلم ص 31 ، ح 4 ).

و عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: لاَ تَكُونُ عَالِمًا حَتَّى تَكُونَ فِيكَ خِصَالٌ: لاَ تَبْغِ عَلَى مَنْ فَوْقَكَ، وَ لاَ تَحْقِرْ مَنْ دُونَكَ، وَ لاَ تَأْخُذْ عَلَى عِلْمِكَ دُنْيا. ( موسوعة رسائل ابن أبي الدنيا ج 6 ص 9 ، الرسالة ( 45 ) مداراة الناس ).

[60] ـ قال الواحدي في تفسير قوله تعالی: { فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ } قال ابن عباس – رضي الله عنهما -، و المفسرون: هو العميق الذي يبعد عمقه. ( الوسيط في تفسير القرآن المجيد ج 3 ص 322 ).

و قال بعضهم: الدنيا كلّها بحر لُجي، و النّاس مغروقون فيه، إِلّا مَنْ عَصَمَ الله، و ساحله الموت، فمَن لعبت به أمواج الهوى و الحظوظ، فليأوي إلى سفينة الزهد و الورع، و ليتمسك برئيس عارف بأهوال البحر، و هم العارفون بالله، فإنه ينجو مِن أهوالها، و مَن أخطأ هذا غرق في تيارها، و لعبت به أمواج حظوظها و شهواتها، فكان من الهالكين، نسأل الله الحفظ بمنِّه و كرمه. ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ج 4 ص 49 ).

[61] ـ قَالَ لُقْمَانُ عليه السلام لِابْنِهِ: « يَا بُنَيَّ إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ، هَلَكَ فِيهِ عَالَمٌ وَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَاجْعَلْ سَفِينَتَكَ فِيهِ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ، وَ اجْعَلْ حَشْوَهَا تَقْوَى اللَّهِ وَ طَاعَتَهُ، وَ اجْعَلْ شِرَاعَهَا الدِّينَ، بِهِ تَجْرِي تَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ، لَعَلَّكَ تَنْجُو وَ لَعَلَّكَ لَا تَنْجُو ». (الزهد الكبير للبيهقي ص 139 و …).

و لله درّ الإمام الشافعي رحمه الله تعالی حيث قال:

إِنَّ للهِ عِبَادًا فُطُنَا

 طَلَّقُوْا الدُّنْيَا وَ خَافُوْا الْفِتَنَا

نَظَرُوْا فِيْهَا فَلَمَّا عَلِمُوْا

 أَنَّهَا لَيْسَتْ لِحَيٍّ وَطَنَا

جَعَلُوْهَا لُجَّةً وَ اتَّخَذُوْا

 صَالِحَ الأَعْمَالِ فِيْهَا سُفُنَا

و ليس المراد من ذلك ترك الدنيا رأساً و الخروج عنها بالمرّة، بل المراد لا يجعلها أكبرَ همّه و لَا مبلغَ عِلمِه، و إنّما يطلبُ الدنيا ليستعينَ بها على خدمة ربّه، لتكونَ مزرعة لآخرته، لما في الحديث: ” نعمَ المالُ الصّالحُ في يد الرّجل الصّالح ” فالمضر شغل القلب و النية السّوء. انظر ( ديوان الإمام الشافعي ص 117، و حاشية الصاوي علی تفسير الجلالين 1417 ، و دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج 1 ص 37 ).

كما قال الشاعر الشهير العارف بالله مخدومقلي الفراغي رحمه الله تعالی:

یـگـد لــر سـوزیـمـه بــر قـلاق آسـنـگ        

دنیا دوست لـغی ننگ طمع سن کسنـگ

قیسی یان کوب بولسه عشقنگ هوسنگ  

یاتسنگ تور سنگ خیالنگدن گتماز هیچ

انظر ( ديوان حضرت مخدومقلي فراغي ص 27 ).

[62] ـ نسب إلی سيدنا عمر و سيدنا علي و ابن عمر رضي الله تعالی عنهم، بلفظ: اعمل لدُنياك كأنّك تعيشُ أبداً، و اعمَل لآخرتِك كأنّك تموتُ غداً. و قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: اعمل لدنياك عمل مَن يعيش أبداً، و اعمَل لآخرتِك عمل مَن يموتُ غداً.

و رواه ابن أبي الدنيا في كتابه إصلاح المال ( 49 ) عن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: احرُثْ لدنياك كأنك تعيش أبدًا، و اعمَل لآخرتك كأنك تموت غدًا. و الحرث: العمل و الكسب.

 و رواه الحارث بلفظ: « احْرِزْ لِدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعِيشُ أَبَدًا، وَ اعْمَلْ لِآخِرَتِكَ كَأَنَّكَ تَمُوتُ غَدًا »، عن عبدالله بن عمرو بن العاص.

و الناس تفهمها فهماً يؤدي مطلوباتهم النفسية بمعنى: اعمَل لدنياك كأنك تعيش أبداً: يعني اجمع الكثيرَ من الدنيا كي يَكفيك حتى يوم القيامة، و ليسَ هذا فهماً صحيحاً، لكنّ الصحيح هو أنّ ما فاتك من أمرِ الدنيا اليوم، فاعتبر أنّك ستـعيش طويلاً و تأخذه غداً، أمَّا أمرُ الآخرة فعليك أن تعجلَ به.

و لذا قال الحسن رحمه الله: اعمل كأنك ميت غداً، و لا تجمع كأنك تعيش أبداً.

و في معنی ذلك الأثر ما رواه البيهقي في الشّعب، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، قَالَ: ” إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَ لَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ رَبِّكَ فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا سَفَرًا قَطَعَ وَ لَا ظَهْرًا أَبْقَى، فَاعْمَلْ عَمَلَ امْرِئٍ تَظُنُّ أَنْ لَنْ يَمُوتَ أَبَدًا، وَ احْذَرْ حَذَرًا تَخْشَى أَنْ تَمُوتَ غَدًا “.

و ما ذكره العجلوني ( ليسَ خيرُكم مَن تركَ الدنيا للآخرة، و لَا الآخرة للدنيا، و لكن خيركم مَن أخذَ مِن هذه لهذه ). رواه ابن عساكر و الديلمي عن أنس بلفظ: ليس بخيركم مَن ترَك دنياه لآخرته، و لا آخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعا، فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة، و لا تكونوا كلا على الناس، و أخرجه أبو نعيم و الخطيب في تاريخه و الديلمي من وجه آخر.

انظر ( إصلاح المال ص 34 ، و شعب الإيمان ج 5 ص 395 ، و بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ج 2 ص 983 ، و المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية ج 13 ص 314 ، و إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة ج 7 ص 434 ، و كشف الخفاء و مزيل الإلباس ج 2 ص 169 ، و تفسير المراغي ج 20 ص 94 ، و تفسير الشعراوي ج 3 ص 1752 ، و التفسير المنير ج 20 ص 161 ، و البصائر و الذخائر ج 1 ص 12، و العقد الفريد ج 2 ص 343 ، و الاستقامة في مائة حديث نبوي ص 18 ، و بهجة المجالس و أنس المجالس ص 249 ، و أرشيف ملتقى أهل الحديث – 1 ج 14 ص 119 ، و الذخائر و العبقريات ج 1 ص 183 ، و نهاية الأرب في فنون الأدب ج 3 ص 320 ).

ثم الناس ثلاثة: صاحب همة دَنِيَّة، و ذو همة متوسطة، و صاحب همة عالية، أما صاحب الهمة الدنية فهو الذي أنزل همته على الدنيا الدنية، و أكبَّ على جمع حطامها الفانية، فقلبُ هذا خالٍ من حب الحبيب، فما له في الآخرة من نصيب.

و أما صاحب الهمة المتوسطة فهو الذي طلب سلامة الدارين، و صلاح الحالين، قد اشتغل في هذه الدار بما ينفعه في دار القرار، و لم ينسَ نصيبه من الدنيا لِيقْضِي ما له فيها من الأوطار، فهذا له في الدنيا حسنة، و هي الكفاية و الغنى، و في الآخرة حسنة، و هي النعمة و السرور و الهنا.

و أما صاحب الهمة العالية فهو الذي رفع همته عن الكونَيْن، و أغمض طَرْفَه عن الالتفات إلى الدارين، بل علَّق همته بمولاه، و لم يقنع بشيء سواه، قد ولّى عن هذه الدار مُغضياً، و أعرض عنها مُولياً، و لم يشغله عن الله شيء. ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ج 1 ص 232 ).

[63] ـ أي إن لم يمكن الاجتماع و الإحداث، لوقوع الأحداث، فصر إلی هذا..

كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه : فَدَع أمرًا إِذَا لَم تَستَطِعهُ … لآخرَ مِن أُمُوركَ مُستَطاع. ( الأمثال و الحكم ص 159 ).

و قال عَمْرُو بنُ مَعْدِ يكرِبَ رضي الله عنه : إذا لم تستطعْ شيئاً فَدَعْهُ  و جاوِزْهُ إلى ما تستطيعُ . انظر ( ديوانه ص 8 ).

[64] ـ لأنّ ما لَا يُدرك كلّه، لايُترك جلّه.

[65] ـ مستفاد من قول الله عز و جل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ. ( محمد: 7 ).

[66] ـ قيّدَ الطّلَبة بالاستحقاق لأنّ التعليم لغير أهله قد ذمّه الشّرع، فلا يُعطيه غيرَ أهله، و لَا يَمنعه عن أهله. و لا تنس ما مر من قبل عند قوله: ( و علم المسلمين مما علمناك ).

فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: « طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَ وَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَ اللُّؤْلُؤَ وَ الذَّهَبَ ». رواه ابن ماجه و غيره.

و قد قيل: ” تعليم العلم لأهل الشّر كبائع السّيف مِن قاطع الطّريق “. و لأجل هذا قال ابن عباد في شرح ” الحكم العطائية ” و علی الـمُعلّم أن يتفقدَ أحوال مَن يتعلَّم منه، فلا يبذل علمَه إلا لـِمَن يتوسم فيه الخيرُ و الصلاح. ثم قال: و قوله تعالی: وَ لَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم ( النساء : 5 )، تنبيه علی أن حفظ العلم ممن يفسده و يسيطر به أولی و أحری ” . انظر ( الهادي إلی رياض الفقه و الفقهاء ص 30 ). و في حديث عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم -: “لا تَطْرَحُوا الدُّرَّ فِي أَفْواهِ الْخَنازِيرِ”. و في لفظةٍ: ” أَفْواهِ الكِلابِ “. رواه البخاري في “تاريخه” باللفظ الأول، و المُخَلِّص بالثاني. أي: لا تلقوا الحكمة ( أي العلم و الفقه ) و تعطوها غير أهلها. انظر ( حسن التنبه لما ورد في التشبه ج 4 ص 29 ).

قلت: الحديث مذكور بالرواية الثانية  في ( معجم ابن المقرئ ص 403، و المشيخة للآبنوسي ج 1 ص 125، و أمثال الحديث للرامهرمزي ص 122، و الجزء للبغوي 37، و الفردوس بمأثور الخطاب ج 5 ص 24، و الكامل في ضعفاء الرجال ج 10 ص 587، و المؤتَلِف و المختَلِف للدارقطني ج 2 ص 1072، و ذخيرة الحفاظ ج 5 ص 2623 و..).

و بكليهما في ( الجامع الصغير ج 2 ص 393، و الجامع الكبير ج 11 ص 246 للإمام السيوطي، و كنز العمال للمتقي الهندي ج 10 ص 247 ). قال الشوكاني: و من جعله في الموضوعات فقد أخطأ. انظر ( الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص 275).

و عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ « آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ، وَ إِضَاعَتُهُ، أَنْ تُحَدِّثَ بِهِ غَيْرَ أَهْلِهِ ». ( سنن الدارمي ج 1 ص 488 ). و لذلك كان مغيرة يقول: إني لأحتسب في منعي الحديث كما تحتسبون في بذله. ( فتح المنان شرح و تحقيق كتاب الدارمي ج 3 ص 134 ).

و عنْ أبي فَرْوَةَ أنَّ عيسى عليهِ السلام كانَ يقولُ: لا تَمْنَعِ الحكمةَ أهْلَها فَتَأْثَمَ، و لا تَضَعْهَا عندَ غَيْرِ أهْلِها فَتُجَهَّلَ، وَ لْتَكُنْ طَبيباً رَفيقاً يَضَعُ دَوَاءَهُ حَيْثُ يَعلَمُ أنَّهُ يَنفعُ. (إرشاد الطُّلاَّب إلى فضيلة العلم و العمل و الآداب ص 22).

وَ قَالَ عِيسَى بنُ مَرْيَمَ – عَلَى نَبِيِّنَا وَ عَلَيْهِ الصلاة و السَّلَامُ – : لَا تُلْقُوا الْجَوْهَرَ لِلْخِنْزِيرِ فَالْعِلْمُ أَفْضَلُ مِنْ اللُّؤْلُؤِ، وَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ شَرٌّ مِنْ الْخِنْزِيرِ.

وَ حُكِيَ أَنَّ تِلْمِيذًا سَأَلَ عَالِمًا عَنْ بَعْضِ الْعُلُومِ فَلَمْ يُفِدْهُ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ مَنَعْته؟ فَقَالَ: لِكُلِّ تُرْبَةٍ غَرْسٌ، وَ لِكُلِّ بِنَاءٍ أُسٌّ. وَ قَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: لِكُلِّ ثَوْبٍ لَابِسٌ، وَ لِكُلِّ عِلْمٍ قَابِسٌ. وَ قَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: إرْثِ لِرَوْضَةٍ تَوَسَّطَهَا خِنْزِيرٌ، وَ ابْكِ لِعِلْمٍ حَوَاهُ شِرِّيرٌ. انظر ( أدب الدنيا و الدين للماوردي ص 81 ).

و عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ – رضي الله عنه – قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ، صَانُوا الْعِلْمَ وَ وَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ لَسَادُوا أَهْلَ زَمَانِهِمْ، وَ لَكِنْ بَذَلُوهُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا مِنْ دُنْيَاهُمْ فَهَانُوا عَلَى أَهْلِهَا. ( حلية الأولياء ج 2 ص 105 ).

و عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: اطْلُبُوا الْعِلْمَ لِلَّهِ، وَ تَوَاضَعُوا لَهُ، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَوَاضَعُ لأَهْلِهِ، ثُمَّ ضَعُوهُ فِي أَهْلِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْضُ الأَنْبِيَاءِ: لا تُلْقُوا دُرَّكُمْ فِي أَفْوَاهِ الْخَنَازِيرِ، يَعْنِي بِالدُّرِّ الْعِلْمَ. ( تاريخ بغداد ج 8 ص 227 ).

و قال عكرمة: إن لهذا الحديث ثمناً، قالوا: و ما ثمنه؟ قال: أن يوضع عند من يحسن حفظه، و لا يضيعه. و قال الإمام مالك: طارح العلم عند غير أهله، كطارح الزبرجد للخنازير. و قال الأعمش: لا تنثروا اللؤلؤَ تحتَ أظلافِ الخنازير. و قال شعبة: رآني الأعمش و أنا أحدّث قوماً فقال: ويحك يا شعبة!، تعلق اللؤلؤ على أعناق الخنازير!. و ورد هذا القول على كثير من السلف.

 و قد ذهب الجمهور من المتقدمين أن بث العلم و وضعه عند من ليس له بأهل أن ذلك من إضاعته. انظر ( إتحاف الطالب بمنازل الطلب ص 144 ، و فتح المنان شرح و تحقيق كتاب الدارمي ج 3 ص 132 ).

و حكي عن بعض المتقدمين أنهم كانوا يختبرون المتعلم مدة في أخلاقه، فإن وجدوا فيه خلقا رديئا منعوه من العلم، و قالوا: إنه يستعين بالعلم على مقتضى الخلق الرديء فيصير العلم آلة شرّ في حقه.

و قد قالت الحكماء: زيادة العلم في الرّجل السّوء، كزيادة الماء في أصول الحنظل المرّ، كلما ازداد ريا ازداد مرارة. و في قول الله تعالى: { وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم } تنبيه على أن حفظ العلم عَن مَن يفسده وَ يستضرّ به أولى.

و قال بعض العلماء و هذا كلّه صحيح مجرّب، فينبغي للعالم أن يتنبّه لهذا و لَا يهمله، بل يُراعيه و يمتثله، و لا عبرةَ بما يتوهمه في تعليمهم من وجود مصالح، على تقدير حصول توفيق الله تعالى لهم؛ لأن يعمَلُوا ببعض ما يتعلَّمُونه من العِلم الصّحيح إن كانت لهم ولايةُ حكمٍ أو غير ذلك. فإن المفاسدَ الّتي تقع بسبب ذلك لهم في خاصّة أنفسهم و المفاسد التي تتعدى إلى غيرهم أكثرُ. و مِن القواعد المقرّرة ( أنّ درءَ المفَاسد أولى مِن جَلبِ المَصَالح ). ( إرشاد العباد للاستعداد ليوم المعاد ص 64 ، 65 ).

[67] ـ من أسماء يوم القيامة سُمي بذلك لكثرة النداءات فيه، و لِعظمةِ ذلك اليوم و هَوله تعدّدت أسماؤه بحسب ما يجري فيه و لكل اسم مدلوله.

قال الإمام الحافظ عبدالحق: يومُ القيامة، وما أدراكَ ما يومُ القيامة يومُ الحسرَة و النّدامة، يوم يجدُ كلّ عاملٍ عملَه أمامَه، يوم الدّمدمة، يوم الزّلزلة، يوم الصّاعقة، يوم الواقعة، يوم الرّاجفة، يوم الرّادفة، يوم الغَاشية، يوم الدّاهية، يوم الآزِفة، يوم الحاقّة، يوم الطّامّة، يوم الصّاخّة، يوم التّلاق، يوم الفِراق، يوم المسَاق، يوم الإِشفاق، يوم القِصاص، يوم لاتَ حينَ مَناص، يوم التّناد، يوم الأَشهاد، يوم المِيعاد، يوم المِرصاد، يوم المسَاءَلة، يوم الحسَاب، يوم المُناقشة، يوم المآب، يوم العَذاب، يوم الفِرار، لو وجد الفرار، يوم القَرار إمّا في الجنة، و إمّا في النار، يوم القَضاء، يوم الجزَاء، يوم البُكاء، يوم البَلاء، يوم تمورُ السّماءُ مَوراً، وتسيرُ الجبالُ سيراً، يوم الحشر، يوم النّشر، يوم الجَمع، يوم البَعث، يوم العَرض، يوم الوَزن، يوم الحقّ، يوم الحكم، يوم الفَصل، يومٌ عظيمٌ، يومٌ عقيمٌ، يومٌ عسيرٌ، يوم قَمطَرير، يوم عَصيب، يوم النّشور، يوم المَصير، يوم الدّين، يوم اليَقين، يوم النّفحة، يوم الصّيحة، يوم الرّجفة، يوم السّكرة، يوم الفزَع، يوم الجزَع، يوم القَلق، يوم الفرق، يوم العرَق، يوم المِيقات، يوم تخرجُ الأَموات، و تظهرُ العَـورات، يوم الانشقَاق، يوم الانكِدار، يوم الانفِطار، يوم الافتِقار، يوم الخُرُوج، يوم الانصِداع، يوم الانقِطاع، يومٌ معلُوم، يوم موعُود، يوم مشهُود، يوم تُبلى السَّرائِر، يوم تخرجُ الضّمَائر، يوم لا تجزِي نفسٌ عَن نفسٍ شيئاً، يومَ لا تملِك نفسٌ لنفسٍ شيئاً، يوم يدعى فيه إلى النار، يوم يُسجَن في النار، يوم تُقلّب الوجوه فيه في النار، يوم البُروز إلی الله، يوم الصّدور إلی الله، يوم لاتنفع المعذرة، يوم لا يرتجى إلا مِن الله المغفرة، و أهول أسمائه، وأشنع ألقابه يوم الخلُود، وما أدراك ما يومُ الخلود؟ يوم لا انقطاع لعذابه، و لا يكشف فيه عن كافر ما به فنعوذ بالله، ثم نعوذ بالله مِن بلائه، وسوءِ قضائه بكَرمِه، و رحمته. انظر ( العاقبة في ذكر الموت و الآخرة ص 250 ).

[68] ـ  هذا من حديث النبي صلی الله عليه و سلم و قد ورد بألفاظ مختلفة.

[69] ـ قال الشيخ العلامة محمد عـوّامة حفظه الله تعالی: مِن مهام الشيخ في تكوين طالب العلم و تنشئته: حضُّه علی حفظ ما ينفعه في مستقبله العلمي من القرآن الكريم، و السّنة النبويّة، و المتُون العلمية، يحفظ متناً واحداً معتمداً في كلّ فنّ، و كذلك يحفظ ما ينفعه من الشواهد الأدبية، و ما تزال بقية باقية من طلاب العلم تحفظ القرآن الكريم، لكن ليس فيهم من يحفظ السنة النبوية، و لو كان « ریاض الصالحین »! و هذه بلية نازلة فيهم، و أحضُّ و أخصُّ بالذكر السّادة العلماء القائمين علي إدارة المعاهد الشرعية و مناهجها: أن يوجهوا عناية طلَّابهم – عَن طريق أساتذتهم المباشرِين لتعليمهم – إلی حفظ أكبر قدر ممكن من السنة الشريفة، و لو في دورات متخصصة، في أوقات إجازاتهم الدراسية، مع سلوك طريق الترغيب و المكافآت لهم علی الحفظ، باختصار من ( المعالم ).

و قَد سافَر الإمام أبو حَامِد الغَزاليُّ رحمه الله إلى جرجان و قرأَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَائِها وَ هو صَغيرٌ، و كان يكتُبُ تعليقاتِ أُستاذِهِ في الفِقهِ و الفَوائدَ الَّتي أَخَذَها منه، و جَمَعَهَا في كَرَارِيسَ سمّاهَا ( التعليقَةَ )، و قَد كَانَ يُريدُ الاكتِفَاءَ بِالكِتَابةِ دُونَ الِحفظِ، غيرَ أنَّ هَذا لقّنهُ دَرْسًا قاسيًا، حيثُ قُطِعَ عَليه الطّرِيقُ و هو في طَرِيِق عودتِهِ إِلى طُوسٍ، و أَخَذَ قُطّاعُ الطّريقِ جَميعَ مَا كانَ مَعَ القَافِلةِ بِما فِيهِ الِمخْلاةَ – أيْ: حقِيبةَ أبي حَامِدٍ الّتي كَانَتْ فِيها تَعليقَتُهُ – و قدْ حَكَى الإمامُ السُّبكيُّ فِي طَبَقاتِ الشّافعيّةِ الكُبرى القِصَّةَ فقَالَ:” قَالَ الإِمَامُ أسْعَدَ المَيهَنيُّ فَسَمِعتُهُ أي: الإمام َالغزاليَّ – يَقُولُ: قُطِعَتْ عَلَينا الطَّرِيق وَ أخَذَ العيَّارُونَ – قطاع الطريق – جَمِيعَ مَا مَعِيَ وَ مَضَوا فتَبعْتُهُمْ فَالْتَفتَ إِلَيَّ مُقَدَّمُهُمْ وَ قَالَ ارْجِع وَيحَكَ وَ إِلَّا هَلَكتَ، فَقُلتُ لَهُ أَسأَلُكَ بِالَّذِي تَرجُو السَّلامَة مِنْهُ أَنْ ترُدَّ عليّ تعليقَتِي فَقَط فَمَا هِيَ بِشَيْء تنتفعون بِهِ، فَقَالَ لي وَ مَا هِيَ تعليقتُكَ؟ فَقلتُ كتُبٌ فِي تِلْكَ المِخْلَاةِ هَاجَرتُ لِسَمَاعِهَا و كتَابَتِها وَ مَعْرِفَة عِلمِهَا. فَضَحِكَ وَ قَالَ: كَيفَ تَدّعِي أَنَّكَ عَرَفْتَ عِلمَهَا وَ قدْ أَخَذْنَاها مِنْك فتجَرّدَتَ مِنْ مَعْرفَتهَا وَ بقيتَ بِلَا عِلمٍ، ثمَّ أَمَرَ بَعضَ أَصْحَابِهِ فَسلَّمَ إِلَيَّ المِخلاةَ. قَالَ الْغَزالِيّ فَقُلتُ هَذَا مُستَنْطقٌ أنطَقَهُ اللهُ ليُرشِدَنِي بِهِ فِي أَمْرِي فَلَمَّا وافَيتُ طُوسَ أَقبلتُ عَلَى الِاشْتِغَال ثَلَاث سِنِين حَتَّى حَفِظتُ جَمِيع مَا علَّقتُهُ و صِرتُ بِحَيْثُ لَو قُطِعَ عَلَيّ الطَّرِيقُ لمْ أتجرّدَ مِنْ عِلمِي”.

و ممّا يجرِي علي ألسِنة العُلماء وَ الشُّيوخ قديما و حديثا: مَن حفِظ المتُون، نالَ الفنُون، و يقولون أيضا: حفظُ حرفَينِ، خيرٌ مِن سَماع وقرَين، و فَهم حرفَين خيرٌ مِن حِفظ وقرَين، و حرفٌ في قلبِك، خيرٌ مِن ألف في كتبِك – أي: دونَ حفظ لها -. و قالوا: لا خيرَ في عِلمٍ لايعبر معكَ الوادِي، و لايعمرُ بك النادي.

و أمّا قولهم: ما كتب قرّ، و ما حفظ فرّ: فيُريدون به: أن الحفظ – مع الأيّام و كبرِ السِّن – عرضة للنّسيان، فَلابدَّ مِن تثبيته بِالكتابة، و لايريدون تهوينَ أمرِ الحفظ.

و خلاصة ذلك: أنّ الحفظ مع الفهم عمادُ العِلم، و زادُ العالم، أمّا وسيلةُ تخليد العِلم و بقائه في الأمّة علی مدی القرُون: فبِكتابته و تَدوينه.

 انظر ( طبقات الشافعية الكبرى ج 6 ص 195 ، و مفتاح السعادة و مصباح السيادة ج 2 ص 302 ، و معالم إرشادية ص 294، 299 ، 300 ، و آداب المعلم و المتعلم ص 141 ).

[70] ـ فِي الْمُضْمَرَات شَرْحِ الْقُدُورِيِّ: اعْلَمْ أَنَّ حِفْظَ قَدْرِ مَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ مِنْ الْقُرْآنِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } [ المزمل: 20 ] وَ حِفْظ جَمِيعِ الْقُرْآنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَ حِفْظ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَ سُورَةٍ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. ( البحر الرائق شرح كنز الدقائق ج 1 ص 359 ). و كذا في ( مراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح ص 86 ، و الدرة المنيفة على مذهب الإمام أبي حنيفة ص 42 ).

[71] ـ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ بِقَدْرِ الشَّرَائِعِ و مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِأَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ، مِنْ أَحْكَامِ الْوُضُوءِ وَ الصَّلَاةِ وَ سَائِرِ الشَّرَائِعِ، وَ لِأُمُورِ مَعَاشِهِ وَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ لَيْسَ بِفَرْضٍ فَإِنْ تَعَلَّمَهَا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَ إِنْ تَرَكَهَا فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ.

قَالَ الْفَقِيهُ – رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى – ثُمَّ إنَّ الْعِلْمَ عَلَى الْأَنْوَاعِ وَ كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَ ذَلِكَ لَيْسَ كَالْفِقْهِ وَ يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ تَعَلُّمُ الْفِقْهِ أَهَمَّ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَ إِذَا أَخَذَ الْإِنْسَانُ حَظًّا وَافِرًا فِي الْفِقْهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى الْفِقْهِ، وَ لَكِنْ يَنْظُرُ فِي عِلْمِ الزُّهْدِ وَ فِي حِكَمِ الْحُكَمَاءِ وَ شَمَائِلِ الصَّالِحِينَ. ( الفتاوي الهندية ج 5 ص 377 ).

و قال الإمام ابن نجيم رحمه الله تعالی: إِنَّ أَشْرَفَ الْعُلُومِ وَ أَعْلَاهَا وَ أَوْفَقَهَا وَ أَوْفَاهَا عِلْمُ الْفِقْهِ وَ الْفَتْوَى، وَ بِهِ صَلَاحُ الدُّنْيَا وَ الْعُقْبَى، فَمَنْ شَمَّرَ لِتَحْصِيلِهِ ذَيْلَهُ وَ ادَّرَعَ نَهَارَهُ وَ لَيْلَهُ، فَازَ بِالسَّعَادَةِ الْآجِلَةِ وَ السِّيَادَةِ الْعَاجِلَةِ، وَ الْأَحَادِيثُ فِي أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى سَائِرِ الْعُلُومِ كَثِيرَةٌ، وَ الدَّلَائِلُ عَلَيْهَا شَهِيرَةٌ لَا سِيَّمَا، وَ هُوَ الْمُرَادُ بِالْحِكْمَةِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى قَوْلِ الْمُحَقِّقِينَ لِلْفُرْقَانِ.

وَ قَدْ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: إنَّ النَّظَرَ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَ قَالَ إنَّ تَعَلُّمَ الْفِقْهَ أَفْضَلُ مِنْ تَعَلُّمِ بَاقِي الْقُرْآنِ، وَ جَمِيعُ الْفِقْهِ لَا بُدَّ مِنْهُ. اهـ. ( البحر الرائق شرح كنز الدقائق ج 1 ص 2 ).

وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالی يصف اتساع بحر العلوم:

لَنْ يَبْلُغَ العِلْمَ جَمِيعَاً أَحَدٌ

 لاَ وَ لَوْ حَاوَلَهُ أَلْفَ سَنَةْ

إِنَّمَا العِلْمُ عَمِيقٌ بَحْرُهُ

 فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيءٍ أَحْسَنهْ

انظر ( ديوان الإمام الشافعي ص 118 ).

 [72]ـ هذا ممّا قاله يَمُوت بن الْمُزَرِّعِ الْعَبْدِيّ بقوله: « لَيْسَ الْعِلْمُ مَا حَوَاهُ الْقِمَطْرُ إِنَّمَا الْعِلْمُ مَا حَوَاهُ الصَّدْرُ ». ينظر ( الجامع لأخلاق الراوي و آداب السامع ج 2 ص 251 ). كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَيْسَ بِعِلْمٍ مَا حَوَى الْقِمَطْرُ … مَا الْعِلْمُ إِلَّا مَا حَوَاهُ الصَّدْرُ. ( جامع بيان العلم و فضله ج 1 ص 292 ).

و الْمُزَنِيُّ رحمه الله قَالَ: خَرَجَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله ذَاتَ يومٍ؛ فَقَالَ لَنَا: لَيْسَ بعِلْمٍ مَا يَعِي الْقِمَطْرُ، لا خَيْرَ فِي علمٍ لا يَعِيهِ الصَّدْرُ. ثُمّ قَالَ لَنَا: الْعِلْمُ مَا دَخَلَ مَعَ صَاحِبِهِ الحمام. ( الفوائد و الأخبار لابن حمكان ص 25 ).

و في المثل: العلمُ في الصُّدور لا في السُّطور. القِمَطرُ: الكتابُ و الدّفتر. ينظر ( نظم اللآل في الحكم و الأمثال ص 31 ، و فرائد الأدب ص 963 ). و قال بعضهم: ليس العلم ما خزنته الدّفاتر، و إنّما العلم ما خزنته الصّدور. (مقالات موقع المنهج ص ۷۵). و قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالی أيضا:

عِلمي مَعي حَيثُما يَمَّمتُ يَنفَعُني

 قَلبي وِعاءٌ لَهُ لا بَطنُ صُندوقِ

إِن كُنتُ في البَيتِ كانَ العِلمُ فيهِ مَعي

 أَو كُنتُ في السوقِ كانَ العِلمُ في السوقِ

انظر ( ديوان الإمام الشافعي ص 91 ).

و أسند الخطيب رحمه الله تعالی إلی الإمام عبد الرّزاق الصّنعاني، و إلی الأَصمعي قولهما: ( كلّ علم لا يدخل مع صاحبه الحمّام، فلا تَعدَّه علماً )، يريدان: أنّ ما لم يُحفظ فَليس بعِلم. انظر ( معالم إرشادية لصناعة طالب العلم ص 295 ).

و يَقُولُ أبو عُمَر: النّاس يقولون: لا علمَ إلّا ما دخلَ معَ صاحبه الحمّام. و أنا أقولُ: لا علمَ إلّا ما دخلَ مع صاحبه القبر. ( تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام ج 13 ص 172 ).

[73]ـ من وصايا لقمان عليه السلام لابنه، إذ قال: « يَا بُنَيَّ، لَا تَرْغَبْ فِي وُدِّ الْجَاهِلِ؛ فَيَرَى أَنَّكَ تَرْضَى عَمَلَهُ، وَ لَا تَتَهَاوَنْ بِمَقْتِ الْحَكِيمِ فَيَزْهَدَ فِيكَ ». انظر ( جامع معمر بن راشد ص 138 ، و الزهد لأحمد بن حنبل ص 88 ، و شعب الإيمان ج 12 ص 39، و مصنف عبدالرزاق ج 9 ص 34 ، و الزهد لابن المبارك ص 484 ، و البداية و النهاية ج 3 ص 18 و… ).

[74] ـ قال العلّامة الحكيمُ الراغبُ الأصفهانيُّ رحمه الله تعالی: حقّ الإنسان أن يَتَحرَّى بغاية جُهده مصاحبةَ الأخيار، فهي قد تجعل الشِّرِّيرَ خَيِّراً، كما أنَّ صحبةَ الأشرار قد تجعلُ الخيِّرَ شِرِّيراً، قال الحكماء: مَن جالَس خيِّراً أصابته بركتُه، فجليسُ أولياءِ الله لا يَشقى و إِن كان كلباً، ككلبِ أصحاب الكهف، حيثُ قال جلَّ و عزَّ: ( وَ كَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ).

و لهذا أوصت الحكماء بمنع الأحداث من مجالسة السفهاء، و قال عليٌّ أمير المؤمنين رضي الله تعالی عنه: ” لا تَصحبِ الفاجرَ فيزيِّنَ لك فعلَه، و يوَدَّ أنّك مثلُه “.

و قيل: جالسوا من تُذكِّركم اللَّهَ رؤيتُه، و يزيد في خيركم نطقه، و قالوا: إياك و مجالسة الشِّرِّير فإن طَبعَك يَسرِق من طبعه، و أنت لا تَدري، بل قال – صلى الله عليه و سلم – : ” مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَ السَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَ نَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ – أي يُعطيَك –  وَ إِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَ إِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَ نَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَ إِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً “.

و قال – صلى الله عليه و سلم – : ” المرءُ على دينِ خليله، فلينظُر أحدكم مَن يُخَالِل “، أي: يَجذبُه خليلُه إلى دينه، و من قوة هذا المعنى في النفوس شاع على الألسنة قول الشاعر:

عن المرءِ لا تَسأَل و سَل عن قرينه        فكلُّ قرينٍ بالمقارنِ يَقتَدي

و ليس إعداءُ الجليس جليسه بمقاله و فعاله فقط، بل و بالنظر إليه، فالنظرُ في الصُّور يؤثِّر في النفوس أخلاقًا مناسبةً إلی خُلُق المنظور إليه ” فإنّ مَن دام نظره إلی مسرور سُرَّ، و من دام نظرُه إلی محزون حزِن.

و ذلك ليس في الإنسان فقط، بل و في الحيوان و سائر النبات، فإن الجَمَلَ الصَّعبَ قد يصير ذَلُولًا بمقارنة الذَّلول، و الذَّلولَ يصير صعباً بمقارنة الصِّعاب، و الرَّيحانةَ الغَضَّةَ تذبُل بمقارنة الذابلة، و لهذا يَلقُط أصحابُ الفِلاحة الرِّمَم – العظام البالية – عن الزروع لئلَّا تُفسدَها، و معلومٌ أنّ الماء و الهواء يَفسُدان بمجاورة الِجيفة إذا قَرُبت منهما، و ذلك مما لا ينكره ذو تجربة.

و إذا كانت هذه الأشياء قد بلغتْ في قبول التأثير هذا المبلغَ، فما الظنُّ بالنفوس البشرية التي موضوعُها لقبول صُوَرِ الأشياء: خيرِها و شرِّها؟!. فقد قيل: إنما سمي الإنس إنسًا، لأنه يأنس بما يراه إن خيرًا و إن شرًّا. انظر ( الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 258 ، 259 ، و من صحاح الأحاديث القدسية ص 249 – 250 ).

و قال العارف بالله الصوفي الله يار الحنفي البخاري رحمه الله تعالی:

قيلور صحبت اثر اي طالب راه   

مونینگدک جاری بولدی عادة الله

نه كه توز کانی گه توشسه بولور توز 

که آندین اوتسه نیچـه گیجه گوندیز

انظر ( منظومة ثبات العاجزين ص 137 رقم الأبيات 776 ، 777 ).

[75] ـ قَالَ أَبُو عُبَيْد القاسم بن سلام: من أمثال أكثم بن صيفي: المُزَاحَةُ تُذْهِبُ المَهَابَةَ . ( أنساب الأشراف ج 13 ص 70 ، و عيون الأخبار ج 1 ص 439 ، و متخير الألفاظ ص 69 ، و الأمثال للهاشمي 78 ، و مجمع الأمثال ج 2 ص 287 ، و المستقصى في أمثال العرب ج 1 ص 346 ، و…).

و يروی عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه قَالَ: إياك و المُزَاح فإنه يَجُرُّ إلى القبيحة، و يورث الضغينة. و من أمثلة العرب في ذلك : ” المزاح سباب الحمقى “. و أيضا: الْمِزاحُ سِبَابُ النَّوْكَى قَالَه خَالِد بن صَفْوَان. ( المستقصى في أمثال العرب ج 1 ص 346 ، و مجمع الأمثال ج 2 ص 287 ، و موسوعة البحوث و المقالات العلمية ).

و جمع الثّعالبيُّ فذكرَ: المزاحة تذهب المهابة، و تورث الضغينة. المزاح سباب النوكي. لا تمازح الشريف فيحقد عليك، و لا الدنيّ فيجترىء عليك. المزح يجلب الشر صغيره و الحرب كبيره. المزح أوله فرحٌ و آخره ترحٌ. لو كان المزح فحلاً لم ينتج إلا شراً. المزاح هو السباب الأصغر، إلا أن صاحبه يضحك. الإفراط في المزح مجونٌ و جنونٌ، و الاقتصاد فيه ظرفٌ، و التقصير عنه فدامةٌ. ابن المعتز: المزح يأكل الهيبة، كما تأكل النار الحطب. من كثر مزحه لم يسلم من استخفافٍ به أو حقدٍ عليه. من كثر مزاحه تنازعه الحقد و الهوان. ربّ مزحٍ في غوره جدٌ و كدٌ. أول أسباب القطيعة المراء و المزح. انظر ( التمثيل و المحاضرة ص 448 ، 449 ).

و قال بعض الحكماء: إياك و المزاح، فإن للمزاح سبع خصال مذمومة، أولها ذهاب الورع، و الثاني ذهاب الهيبة، و الثالث قساوة القلب، و الرابع خيانة الجليس، و الخامس يهدم الصداقة و يجلب العداوة، و السادس يذمه العقلاء و يستهزئ به السفهاء، و السابع عليه وزر من اقتدى به. ( بستان العارفين للسمرقندي ص 411 ).

فالمزاح غير محمود إلا ما كان صدقاً و حقّاً لما روي فيه من أحاديث، منها ما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ قَالُوا: ياَ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُدَاعِبُناَ، قَالَ: « إِنِّي لَا أَقُولُ إِلا حَقًّا »، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

و عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه و سلّم فَقَالَ ياَ رَسُولَ اللَّهِ احْمِلْنِي فَقَالَ: « إِنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَد نَاقَةٍ » قَالَ: وَ مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و سلّم: « وَ هَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إِلا النُّوقُ ». وَ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه و سلّم: « ياَ ذَا الْأُذُنَيْنِ »، رَوَاهُماَ أَبُو دَاوُدَ وَ التِّرْمِذِيُّ. وَ عَنْهُ قَالَ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و سلّم لَيُخَالِطُناَ حَتَّى يَقُولَ لأَخ لِي صَغِيرٍ: « ياَ أَباَ عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ »، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.

و ورد أن النبي صلي الله عليه و سلم قال لامرأة عجوز: لايدخل الجنة عجوز فحزنت تلك كثيرا، و عادت للاستفهام منه صلی الله عليه و سلم فقال: أما سمعت قول الله تعالی « إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ »؟ فعلمت أن قصده الملاطفة. و قال عوف بن مالك رضي الله عنه: أتيت النبي صلی الله عليه و سلم في غزوة تبوك، و هو في قبة من أدم صغيرة، فسلمت فرد عليّ السلام و قال ادخل؛ فقلت: كلي يا رسول الله؟ قال: كلك فدخلت. رواه أبو داود و البخاري. و هذا مزاح من الصحابي للنبي صلی الله عليه و سلم، ففي هذه الأحاديث جواز المزاح بشرط أن يكون صدقاً و حقّاً، لَا كذباً و لَا باطلًا، و أن يكون قليلًا و إلا فلَا، لأنه مظنة العداوة و ذهاب الهيبة!. انظر ( التاج الجامع للأصول مع غاية المأمول ج 5 ص 56 ، 57 ، و أصول الإيمان و الإسلام ج 2 ص 623 ). و قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالی: و الإفراط فيه يكثر الضحك، و يميت القلب، و يورث الضغينة، و يسقط المهابة و الوقار؛ قال صلى الله عليه و سلم: « إن الرجل ليتكلم بالكلمة يُضحك بها جلساءه فيهوي بها أبعد من الثريا ». و قال عليه السلام: « لا تمار أخاك و لا تمازحه ». و اعلم أن اليسير منه في بعض الأوقات لا بأس به، لا سيما مع النساء و الصبيان تطييباً لقلوبهم، نقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم لكنه قال: « إني لأمزح و لا أقول إلا حقّا »، و يعسر على غيره ضبط ذلك. و قد روي أنه سابق عائشة – رضي الله عنها – بالعَدْو. و قال عليه السلام لعجوز: « لا يدخل الجنة عجوز »، أي لا يبقى عجوز في الجنة. – المقصود أن العجوز المؤمن المستحق للجنة، يسترجع شبابه عند دخولها – و قال لصبيّ: « يا أبا عمير ما فعل النّغير؟ »، و النغير ولد العصفور كان يلعب به الصبي. و قال صلى الله عليه و سلم لصهيب و هو يأكل التمر: « أَتأكل التمر و أنت رمد؟ »، و قال: إنما آكل بالشق الآخر، فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم. فهذا و أمثاله من المفاكهة لا بأس بها، بشرط أن لا يتخذها عادة. ( كتاب الأربعين في أصول الدين ص 72 ، 73 ).  و قال الخطيب في قول عَلِيٍّ رضي الله عنه: « إِذَا تَعَلَّمْتُمُ الْعِلْمَ فَاكْظِمُوا عَلَيْهِ، وَلَا تَخْلِطُوهُ بِضَحِكٍ وَ بَاطِلٍ؛ فَتَمُجُّهُ الْقُلُوبُ ». يَجِبُ عَلَى طَالِبِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَجَنَّبَ اللَّعِبَ وَ الْعَبَثَ وَ التَّبَذُّلَ فِي الْمَجَالِسِ بِالسَّخْفِ، وَ الضَّحِكِ، وَ الْقَهْقَهَةِ، وَ كَثْرَةِ التَّنَادُرِ، وَ إِدْمَانِ الْمِزَاحِ وَ الْإِكْثَارِ مِنْهُ، فَإِنَّمَا يُسْتَجَازُ مِنَ الْمِزَاحِ يَسِيرُهُ وَ نَادِرُهُ وَ طَرِيفُهُ الَّذِي لَا يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْأَدَبِ وَ طَرِيقَةِ الْعِلْمِ، فَأَمَّا مُتَّصِلُهُ وَ فَاحِشُهُ وَ سَخِيفُهُ وَ مَا أَوْغَرَ مِنْهُ الصُّدُورَ وَ جَلَبَ الشَّرَّ؛ فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ وَ كَثْرَةُ الْمِزَاحِ وَ الضَّحِكِ يَضَعُ مِنَ الْقَدْرِ، و يُزِيلُ الْمُرُوءَةَ. ( الجامع لأخلاق الراوي و آداب السامع ج 1 ص 156 ). و عليه يحمل ما ورد فيه عن السلف من الجواز، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: « كَانَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ أَمْزَحِ النَّاسِ وَ أَضْحَكِهِ ». و عَنْ يُونُسَ، قَالَ: «كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ صَاحِبَ ضَحِكٍ وَ مِزَاحٍ ». ( مداراة الناس للحافظ ابن أبي الدنيا، انظر موسوعة رسائل ابن أبي الدنيا ج 6 ص 16). و قال الإمام النووي رحمه الله تعالی: إنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا رَأَى صَاحِبَهُ مَهْمُومًا حَزِينًا، يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَهُ بِمَا يُضْحِكُهُ، أَوْ يُشْغِلَهُ وَ يُطَيِّبَ نَفْسَهُ. انظر ( المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ج 10 ص 81 ). و ارجع إلی ( شرح أدب الكاتب لابن قتيبة ص 71 ).

[76] ـ روى ابن النجار في ” تاريخه ” عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم – : “العُلَماءُ قادَةٌ، وَ الْمُتَّقُونَ سادَةٌ، وَ مُجالَسَتُهُمْ زِيادَةٌ “. قلت: و مقتضاه أن العالم لما كان متقياً فهو من قادة السادة و سادة القادة. ( حسن التنبه ج 4 ص 42، 43 ).

و يقول سيدنا علي رضي الله عنه: زاحموا العلماء بالمناكب فإن رحمة الله لا تفارقهم. و قال أيضاً: ( العلم نهر و الحكمة بحر، فالعلماء حول النهر يطوفون، و الحكماء وسط البحر يغوصون، و العارفون في سفن النجاة يسيرون. انظر ( لماذا يحزن الناس؟ ص 30 ).

و عَنْ سَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ رحمه الله تعالی: مَنْ أَرَادَ النَّظَرَ إلَى مَجَالِسِ الْأَنْبِيَاءِ، فَلْيَنْظُرْ إلَى مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ فَاعْرِفُوا لَهُمْ ذَلِكَ. ( المجموع شرح المهذب ج 1 ص 21 ).

و قال القرطبي: وَ قَدْ كَرِهَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ قَبْرِهِ عَلَيْهِ الصّلاة و السَّلَامُ، وَ كَرِهَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ تَشْرِيفًا لَهُمْ، إِذْ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ. ( الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 307 ).

و قال أبو الدرداء رضي الله عنه: ” ما نحن لولا كلمات الفقهاء ؟! “. و كان الحسن البصري رحمه الله يقول: ” الدنيا كلها ظلمة، إلا مجالسَ العلماء “. و قال الإمام السخاوي رحمه الله: ” إنما الناس بشيوخهم، فإذا ذهب الشيوخ فمع مَن العيش؟! “. ( الإعلام بحرمة أهل العلم و الإسلام ص 324 ).

و كَتَبَ سَلْمَان الْفَارِسِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ – رضي الله عنه – : « إِنَّ الْعِلْمَ كَالْيَنَابِيعِ يَغْشَى النَّاسَ فَيَخْتَلِجُهُ هَذَا، وَ هَذَا، فَيَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَ إِنَّ حِكْمَةً لَا يُتَكَلَّمُ بِهَا كَجَسَدٍ لَا رُوحَ فِيهِ، وَ إِنَّ عِلْمًا لَا يُخْرَجُ كَكَنْزٍ لَا يُنْفَقُ، وَ إِنَّمَا مَثَلُ الْمُعَلِّمِ كَمَثَلِ رَجُلٍ عَمِلَ سِرَاجًا فِي طَرِيقٍ مُظْلِمٍ يَسْتَضِيءُ بِهِ مَنْ مَرَّ بِهِ، وَ كُلٌّ يَدْعُو إِلَى الْخَيْرِ ».

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: « فَمَا ظَنُّكُمْ – رَحِمَكُمُ اللَّهُ – بِطَرِيقٍ فِيهِ آفَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى سُلُوكِهِ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِصْبَاحٌ وَ إِلَّا تَحَيَّرُوا، فَقَيَّضَ اللَّهُ لَهُمْ فِيهِ مَصَابِيحَ تُضِيءُ لَهُمْ، فَسَلَكُوهُ عَلَى السَّلَامَةِ وَ الْعَافِيَةِ، ثُمَّ جَاءَتْ طَبَقَاتٌ مِنَ النَّاسِ لَابُدَّ لَهُمْ مِنَ السُّلُوكِ فِيهِ، فَسَلَكُوا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ طُفِئَتِ الْمَصَابِيحُ، فَبَقُوا فِي الظُّلْمَةِ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِهِمْ؟ هَكَذَا الْعُلَمَاءُ فِي النَّاسِ لَا يَعْلَمُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَيْفَ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ، وَ كَيْفَ اجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ، وَ لَا كَيْفَ يُعْبَدُ اللَّهُ فِي جَمِيعِ مَا يَعْبُدُهُ بِهِ خَلْقُهُ، إِلَّا بِبَقَاءِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا مَاتَ الْعُلَمَاءُ تَحَيَّرَ النَّاسُ، وَ دَرَسَ الْعِلْمُ بِمَوْتِهِمْ، وَ ظَهَرَ الْجَهْلُ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ مُصِيبَةٌ مَا أَعْظَمَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ؟ ». ( أخلاق العلماء ص 28 ).

و قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: من أحب أن يكون للانبياء وَارِثا، وَ فِي مَزَارِعهمْ حارثاً، فليتعلم العلم النافع و هوَ علم الدّين، فَفِي الحَدِيث الْعلمَاء وَرَثَة الأنبياء، و ليحضر مجَالِس الْعلمَاء، فَإِنَّهَا رياض الْجنَّة وَ من أحب أن يعلم مَا نصِيبه من عناية الله، فَلْينْظر مَا نصِيبه من الْفِقْه فِي دين الله، فَفِي الحَدِيث من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين، وَ من سَأَلَ عَن طَرِيق تبلغه الْجنَّة فليمش إلى مجْلِس الْعلم، فَفِي الحَدِيث من سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهَا علما سلك الله بِهِ طَرِيقا إلى الْجنَّة، وَ من أحب ألا يَنْقَطِع عمله بعد مَوته، فلينشر الْعلم بالتدوين و التعليم، فَفِي الحَدِيث إذا مَاتَ الإنسان انْقَطع عمله إلا من ثَلَاث، صَدَقَة جَارِيَة أوْ علم ينْتَفع بِهِ أوْ ولد صَالح يَدْعُو لَهُ.( التذكرة في الوعظ ص 55 ).

و قَالَ الْفَقِيهُ أبو الليث رَحِمَهُ اللَّهُ : مَنِ انْتَهَى إِلَى الْعَالِمِ، وَ جَلَسَ مَعَهُ، وَ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَحْفَظَ الْعِلْمَ، فَلَهُ سَبْعُ كَرَامَاتٍ أَوَّلُهَا: يَنَالُ فَضْلَ الْمُتَعَلِّمِينَ.

وَ الثَّانِي: مَا دَامَ جَالِسًا عِنْدَهُ كَانَ مَحْبُوسًا عَنِ الذُّنُوبِ وَ الْخَطَأِ. وَ الثَّالِثُ: إِذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ تَنْزِلُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ. وَ الرَّابِعُ: إِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ، فَتَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ، فَتُصِيبُهُ بِبَرَكَتِهِمْ. وَ الْخَامِسُ: مَا دَامَ مُسْتَمِعًا تُكْتَبُ لَهُ الْحَسَنَةُ. وَ السَّادِسُ: تَحُفُّ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا رِضًا وَ هُوَ فِيهِمْ. وَ السَّابِعُ: كُلُّ قَدَمٍ يَرْفَعُهُ، وَ يَضَعُهُ يَكُونُ كَفَّارَةً لِلذُّنُوبِ، وَ رَفْعًا لِلدَّرَجَاتِ لَهُ، وَ زِيَادَةً فِي الْحَسَنَاتِ، ثُمَّ يُكْرِمُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِسِتِّ كَرَامَاتٍ أُخْرَى: أَوَّلُهَا: يُكْرِمُهُ بِحُبِّ شُهُودِ مَجْلِسِ الْعُلَمَاءِ. وَ الثَّانِي: كُلُّ مَنْ يَقْتَدِي بِهِمْ، فَلَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَ الثَّالِثُ لَوْ غَفَرَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ يَشْفَعُ لَهُ. وَ الرَّابِعُ: يُبَرِّدُ قَلْبَهُ مِنْ مَجْلِسِ الْفُسَّاقِ. وَ الْخَامِسُ: يَدْخُلُ فِي طَرِيقِ الْمُتَعَلِّمِينَ وَ الصَّالِحِينَ. وَ السَّادِسُ: يُقِيمُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَ: { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ } [ آل عمران: 79 ]، يَعْنِي الْعُلَمَاءَ وَ الْفُقَهَاءَ هَذَا لِمَنْ لَمْ يَحْفَظْ شَيْئًا، وَ أَمَّا الَّذِي يَحْفَظُ فَلَهُ أَضْعَافٌ مُضَاعَفَةٌ. انظر ( تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء و المرسلين ص 439 ،440 ).

و قال أيضا: مَنْ جَلَسَ مَعَ ثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ، زَادَهُ اللَّهُ ثَمَانِيَةَ أَشْيَاءَ مَنْ جَلَسَ مَعَ الْأَغْنِيَاءِ، زَادَهُ اللَّهُ حُبَّ الدُّنْيَا وَ الرَّغْبَةَ فِيهَا، وَ مَنْ جَلَسَ مَعَ الْفُقَرَاءِ، زَادَهُ اللَّهُ الشُّكْرَ وَ الرِّضَا بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَ مَنْ جَلَسَ مَعَ السُّلْطَانِ، زَادَهُ اللَّهُ الْكِبْرَ، وَ قَسَاوَةَ الْقَلْبِ، وَ مَنْ جَلَسَ مَعَ النِّسَاءِ، زَادَهُ اللَّهُ الْجَهْلَ، وَ الشَّهْوَةَ، وَ الْمَيْلَ إِلَى عُقُولِهِنَّ، وَ مَنْ جَلَسَ مَعَ الصِّبْيَانِ، زَادَهُ اللَّهُ اللَّهْوَ وَ الْمِزَاحَ، وَ مَنْ جَلَسَ مَعَ الْفُسَّاقِ، زَادَهُ اللَّهُ الْجُرْأَةَ عَلَى الذُّنُوبِ، وَ الْمَعَاصِيَ وَ الْإِقْدَامَ عَلَيْهَا، وَ التَّسْوِيفَ فِي التَّوْبَةِ، وَ مَنْ جَلَسَ مَعَ الصَّالِحِينَ، زَادَهُ اللَّهُ الرَّغْبَةَ فِي الطَّاعَاتِ وَ اجْتِنَابَ الْمَحَارِمَ، وَ مَنْ جَلَسَ مَعَ الْعُلَمَاءِ، زَادَهُ اللَّهُ الْعِلْمَ وَ الْوَرَعَ. وَ يُقَالُ: مُجَالَسَةُ الْعُلَمَاءِ مَرَمَّةٌ لِلدِّينِ، وَ زَيْنٌ لِلْبَدَنِ، وَ مُجَالَسَةُ الْفُسَّاقِ جِرَاحَةٌ لِلدِّينِ، وَ شَيْنٌ لِلْبَدَنِ. ( المصدر السابق ص 442 ).

و قال بعض العلماء: ” صلاح القلب بخمسة أشياء: قراءة القرآن بتدبر، و خلاء البطن، و قيام الليل، و التضرع بالسحر، و مجالسة الصالحين، و أكل الحلال “. ( شرح الأربعين النووية للشيخ اللهيميد ص 23 ).

و قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالی في ( شرح حديث العلم ): و في الحديث المعروف عن النبي صلى الله عليه و سلم: « إِذا مررْتُمْ بِرِياضِ الجنّةِ فارْتعُوا »، قالُوا: و ما رِياضُ الجنّةِ؟ قال: حِلَقُ الذِّكْرِ ».

و كان ابن مسعود رضي الله عنه إذا ذَكَر هذا الحديث قال: أَمَا إنِّي لاَ أعْنِي القُصَّاصَ، و لكِنْ حِلَقَ الفِقْهِ، و روي عن أنس معناه أيضاً، و رواه ابن الجوزي عنهما في كتاب ( القصاص و المذكرين ) ص 129.

وَ لَمَّا حَضَرَتْ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْمَوْتِ، مَرْحَبًا بِزَائِرٍ جَاءَ عَلَى فَاقَةٍ، لَا أَفْلَحَ مَنْ نَدِمَ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ الْبَقَاءَ فِي الدُّنْيَا لجرْيِ الْأَنْهَارِ، وَ لَا لِغَرْسِ الْأَشْجَارِ، وَ لَكِنْ كُنْتُ أُحِبُّ الْبَقَاءَ لِمُكَابَدَةِ اللَّيْلِ الطَّوِيلِ، وَ لِظَمَأِ الْهَوَاجِرِ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ، وَ لِمُزَاحَمَةِ الْعُلَمَاءِ بِالرُّكَبِ فِي حِلَقِ الذِّكْرِ.

و أتى أبو موسی الأشعري رضي الله عنه إلی عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد العشاء، فقال له عمر: ما جاء بك؟ قال: جئت أتحدث إليك، قال: هذه الساعة؟ قال: إنه فقه، فجلس عمر فتحدثا طويلًا ثم إنّ أبا موسى قال: الصلاة يا أمير المؤمنين، قال: إنّا في صلاة. أخرجه عبدالرزاق و ابن أبي شيبة، كما في كنز العمال للمتقي الهندي.

و يعني بحلق الذكر هنا: حلق العلم. و منه قوله تعالی: ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ). ذكره ابن عبدالبر في ( جامع بيان العلم ) 1 : 51.

و قال عطاء الخراساني: مجَالِسُ الذِّكْرِ مجَالِسُ الحَلالِ و الحَرَامِ، كَيفَ تَشْترِي وَ تَبِيعُ، و تُصَلِّي و تَصُومُ، و تنْكِحُ و تُطلِّقُ، و تَحُجُّ، و أشْباهُ هذا.

و قال يحيى بن أبي كثير: دَرْسُ الفِقْهِ صَلاةٌ. و كان أبو السَّوَّار العَدَوي في حلقة يتذاكرون فیها العلم، و معهم فتى شابٌّ فَقَالَ لَهُمْ: قُولُوا: سُبْحَانَ اللهِ وَ الحَمْدُ لِلَّهِ، فَغَضِبَ أَبُو السوار، و قَالَ: وَيْحَكَ، في أَيّ شَيء كُنَّا إِذًا؟! كما رواه الإمام أحمد في كتاب ( الزهد ) ص 316 – 317 .

و روی الدارمي في سننه في ( باب فضل العلم و العالم )، « عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ – أحَد التابعين العُبَّاد – قَالَ: مَجْلِسٌ يُتَنَازَعُ فِيهِ الْعِلْمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قَدْرِهِ صَلَاةً، لَعَلَّ أَحَدَهُمْ يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيَنْتَفِعُ بِهَا سَنَةً، أَوْ مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِه ».

و روی الحافظ ابن عبد البر في ( جامع بيان العلم و فضله ) عن عبد الله بن مَسْعُود رضي الله عنه قال: الدِّرَاسَةُ صَلَاةٌ ».

و من مجالس الذكر أيضا: مجالس العلم التي يذكر فيها تفسير القرآن، و تروی فيها سنة رسول الله صلی الله عليه و سلم، و يعلم فيها الفقه في الدين. و مجالسه أفضل من مجالس ذكر الله بالتسبيح و التحميد و التكبير، لأنها دائرة بينَ فرض عين أو فرض كفاية، و الذِّكر المجرّد تطوّع محض.

و المراد بهذا أن مجالسَ الذّكر لا تختصّ بالمجالس التي يذكر فيها اسم الله بالتسبيح و التكبير و التحميد و نحوه؛ بل تشمل ما ذُكِر فيه أمرُ الله و نهيُه، و حلالُه و حرامُه، و ما يحبّه و يرضاه، فإنه ربما كان هذا الذكر أنفعَ مِن ذلك؛ لأنّ معرفة الحلال و الحرام واجبة في الجملة على كلّ مُسلِم، بحسب ما يتعلق به في ذلك. و أما ذكر الله باللِّسان، فأكثره يكون تطوّعًا، و قد يكون واجبًا كالذِّكر في الصلوات المكتوبة.

و أما معرفة ما أمر الله به و نهى عنه، و ما يحبّه و يرضاه، و ما يكرهه و ينهى عنه: فيجب على كلّ مَن احتاج إلى شيء مِن ذلك أن يَتعلَّمه، و لهذا رُوي: ” طلبُ العِلم فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ “. انتهی كلام الحافظ ابن رجب بزيادة من غيره.

 وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ مَرَّ بِسُوقِ الْمَدِينَةِ فَوَقَفَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: يَا أَهْلَ السُّوقِ، مَا أَعْجَزَكُمْ؟ قَالُوا: وَ مَا ذَاكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: ذَاكَ مِيرَاثُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ – يُقَسَّمُ وَ أَنْتُمْ هَاهُنَا، أَلَا تَذْهَبُونَ فَتَأْخُذُونَ نَصِيبَكُمْ مِنْهُ؟ قَالُوا: وَ أَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجُوا سِرَاعًا وَ وَقَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَهُمْ حَتَّى رَجَعُوا، فَقَالَ لَهُمْ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَدْ أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ فَدَخَلْنَا، فَلَمْ نَرَ فِيهِ شَيْئًا يُقَسَّمُ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَ مَا رَأَيْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدًا؟ قَالُوا: بَلَى، رَأَيْنَا قَوْمًا يُصَلُّونَ، وَ قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَ قَوْمًا يَتَذَاكَرُونَ الْحَلَالَ وَ الْحَرَامَ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَيْحَكُمْ، فَذَاكَ مِيرَاثُ مُحَمَّدٍ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ -. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. انظر ( تعليق الشيخ أبي غدة، علی رسالة المسترشدين ص 117 _  118 ، و مجمع الزوائد و منبع الفوائد ج 1 ص 123 ، 124 ).

و قال أبو طالب المكّي: مجالسُ أهل ِالعِلم بالله تعالى، و أهلِ التّوحيد و المعرِفة، هي مجالسُ الذِّكر و هي التي جاءت فيها الآثار. ( قوت القلوب في معاملة المحبوب ج 1 ص 261 ).

وَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: « النَّظَرُ فِي وَجْهِ الْعَالِمِ عِبَادَةٌ، وَ النَّظَرُ فِي الْكَعْبَةِ عِبَادَةٌ، وَ النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ عِبَادَةٌ ». قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِحُضُورِ مَجْلِسِ الْعِلْمِ مَنْفَعَةٌ سِوَى النَّظَر إِلَى وَجْهِ الْعَالِمِ، لَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَرْغَبَ فِيهِ، فَكَيْفَ وَ قَدْ أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ الْعَالِمَ مَقَامَ نَفْسِهِ.

و قد وقفت امرأة يوما على إبراهيم بن يوسف – رحمه الله تعالى – تنظر إليه فقال لها: هل لك حاجة؟ فقالت: لا، غير أنكم ترون أن النظر إلى وجه العالم عبادة فأنا أنظر إليك لأجل ذلك. قال: فبكى إبراهيم حتى خنقته العبرة، ثم قال: إن هذه المرأة قد غلطت في، إن الذين كان النظر إلى وجوههم عبادة قد صاروا في المقابر بين أطباق الثرى منذ أربعين سنة مثل أحمد بن حنبل، و خلف بن أيوب، و شقيق البلخي و أضرابهم رضي الله عنهم – فسيرى إلى مقابرهم و تأملي فيها. ( تنبيه الغافلين ص 442، 443، و تنبيه المغترين ص 158 ).

[77] ـ قد فرغنا عن الكلام عليه، عند قوله ( و لاسيما عشيرتك ) فارجع إليه.

[78] ـ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ – رضي الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ قَالَ: « إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ عَلَيْكَ بِمَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ فَالْتَزِمْهَا، وَ اسْتَمِعْ كَلَامَ الْحُكَمَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْقَلْبَ الْمَيِّتَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ بِوَابِلِ السَّمَاءِ »، وَ فِي رِوَايَةِ الدَّارِمِي بِوَابِلِ الْقَطْرَةِ. انظر ( المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي ص 298 ، و بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي البخاري ص 125 ، و المعجم الكبير للطبراني ج 8 ص 198 و…).

وَ أخرج أَحْمد عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة قَالَ: قَالَ لُقْمَان عَلَيْهِ السَّلَام لِابْنِهِ: يَا بني جَالس الصَّالِحين من عباد الله، فَإنَّك تصيب بمجالستهم خيرا، وَ لَعَلَّه أَن يكون آخر ذَلِك تنزل عَلَيْهِم الرَّحْمَة فتصيبك مَعَهم، يَا بني لَا تجَالس الأشرار، فإنك لَا يصيبك من مجالستهم خير، وَ لَعَلَّه أَن يكون فِي آخر ذَلِك أَن تنزل عَلَيْهِم عُقُوبَة فتصيبك مَعَهم. ( الدر المنثور ج 6 ص 518 ، 519 ).

قول لقمان لابنه: ” جَالِسِ العلماءَ و زاحِمهُم ” يريد القرب منهم في مجالسته لهم، و مجالسةُ العلماءِ إذا كانت قربة، فإنّما تكون على وجهين:

الف: لمن ليس في قدرته تَعلُّم العلم، فإنَّه يجالسهم تبرُّكًا بمجالستهم و محبَّةً فيهم، و ربّما جرى من أقوالهم ما يحتاج إليه، فتحمله حاجتُه إليه على أن يَعِيَهُ و يحفظه، أو يستفهم فيه حتّى يفهمه.

ب: و أمّا من كان في قوّته و طَبِيعَتِه طلب تَعلُّمِهِ، و رُزِقَ عَونًا عليه و رغبة في تعلُّمِه، فيجالسهم ليأخذ عنهم و يتعلَّم مِن عِلمهم.

قوله: ” فَإِنَّ الله يُحْيِي القُلوبَ بِنُور الحِكمَةِ ” يريد إحياءها بالإيمان و الخشوعِ و الطّاعة، و موتها إنّما يكون بالكفر و الفسوق و انتهاك محارم الله؛ فإنّ الحياة الحقيقية إنّما هي حياة الإيمان و الطّاعة. قوله: ” كمَا يُحيِي الأرضَ بوابِلِ السّماءِ ” هو غزير مطرها. قالوا: بل هو الذي يحيي الأرض بالنّبات و المياه و الخِصْبِ، بعد موتها بالجَدْبِ و عدم الماء و الخِصْبِ. و إنَّما يكون إحياؤها بالمادّة القويّة من الوابل، كذلك القلوب تحيى بنور الذِّكرِ. و الإيمانُ إذا كان على الدَّوامِ فهو يُنَوَّرُ بأنواع المعارف، فيَحيَى كما يُحْيِى اللهُ الأرضَ بعد موتها. انظر ( المسالِك في شرح مُوَطَّأ مالك ج 7 ص 602 ، 603 ، و المنتقى شرح الموطإ ج 7 ص 326 ، 327 ).

[79] ـ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ رحمه الله قَالَ: « مَنِ اسْتَخَفَّ بِالْعُلَمَاءِ ذَهَبَتْ آخِرَتُهُ، وَ مَنِ اسْتَخَفَّ بِالْأُمَرَاءِ ذَهَبَتْ دُنْيَاهُ، وَ مَنِ اسْتَخَفَّ بِالْإِخْوَانِ ذَهَبَتْ مُرُوءَتُهُ ». وَ نَظِيرُهُ قَوْلُ مُعَاوِيَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – نَحْنُ الزَّمَانُ مَنْ رَفَعْنَاهُ ارْتَفَعَ، وَ مَنْ وَضَعْنَاهُ اتَّضَعَ. ( آداب الصحبة لأبي عبدالرحمن السلمي ص 62 ، و سير أعلام النبلاء ج 8 ص 407 ، و ج 17 ص 251 ، و الآداب الشرعية و المنح المرعية ج 3 ص 577 و … ). و من المفيد جدّا في هذا الباب رسالة المحقِّـق العلّامة الملّا عليّ القاري ( تبعيد العلماء عن تقريب الأمراء رقم الرسالة ” 75 ” من مجموعة رسائله ) فارجع إليها و لَاتنس.

و أردتُ و أحببتُ أن أُلحـقَ وصيةَ إِمامِنا الأَعظَم أبي حنيفةَ رحمه الله و رضي عنه هاهنا أيضا لمناسبة المقام، و لفوائدها للخواصّ و العوامّ. و قد تضمنتْ كثيراً مِن لطائف الحُكماء، و محاسنِ الكلم، و فيها لـِمَنْ تدبرها نفعٌ كبيرٌ، و أدبٌ غزيرٌ.

أوردَها الغزي في ( الطبقات السنية في تراجم الحنفية )، و المكي في ( المناقب )، و ابن نجيم في ( الأشباه و النظائر )، و علق عليها الحموي في ( غمز عيون البصائر في شرح الأشباه و النظائر )، و الكوثري في ( حسن التقاضي )، و محمد بن أحمد عاموه في ( نماذج من وصايا الإمام الأعظم )، و أكرم محمد إسماعيل أبو عواد في ( مجموع كتب و رسائل و وصايا الإمام الأعظم ص 469 )، و محمد السَّـيد البـَرسِيجِـي في ( من وصايا الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان ). 

وَصِيَّةُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ لِأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُما اللَّهُ تعالی

بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ لَهُ مِنْهُ الرُّشْدُ وَ حُسْنُ السِّيرَةِ وَ الْإِقْبَالُ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ لَهُ: يَا يَعْقُوبُ وَقِّرْ السُّلْطَانَ وَ عَظِّمْ مَنْزِلَتَهُ، وَ إِيَّاكَ وَ الْكَذِبَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ الدُّخُولَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَا لَمْ يَدْعُك لِحَاجَةٍ عِلمِيَّةٍ؛ فَإِنَّك إذَا أَكْثَرْت إلَيْهِ الِاخْتِلَافَ تَهَاوَنَ بِك وَ صَغُرَتْ مَنْزِلَتُك عِنْدَهُ، فَكُنْ مِنْهُ كَمَا أَنْتَ مِنْ النَّارِ تَنْتَفِعُ وَ تَتَبَاعَدُ وَ لَا تَدْنُ مِنْهَا، فَإِنَّ السُّلْطَانَ لَا يَرَى لِأَحَدٍ مَا يَرَى لِنَفْسِهِ، وَ إِيَّاكَ وَ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ عَلَيْك مَا قُلْتَه لِيُرِيَ مِنْ نَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ حَاشِيَتِهِ أَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْك، وَ أَنَّهُ يُخَطِّئُكَ فَتَصْغُرَ فِي أَعْيُنِ قَوْمِهِ، وَ لْتَكُنْ إذَا دَخَلْت عَلَيْهِ تَعْرِفُ قَدْرَك وَ قَدْرَ غَيْرِك، وَ لَا تَدْخُلْ عَلَيْهِ وَ عِنْدَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ لَا تَعْرِفُهُ؛ فَإِنَّك إنْ كُنْتَ أَدْوَنَ حَالًا مِنْهُ لَعَلَّك تَتَرَفَّعُ عَلَيْهِ فَيَضُرُّك، وَ إِنْ كُنْت أَعْلَمَ مِنْهُ، لَعَلَّك تَحُطُّ عَنْهُ فَتَسْقُطُ بِذَلِكَ مِنْ عَيْنِ السُّلْطَانِ.

وَ إِذَا عَرَضَ عَلَيْك شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِهِ فَلَا تَقْبَلْ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ يَرْضَاك، وَ يَرْضَى مَذْهَبَك فِي الْعِلْمِ وَ الْقَضَايَا؛ كَيْ لَا تَحْتَاجَ إلَى ارْتِكَابِ مَذْهَبِ غَيْرِك فِي الْحُكُومَاتِ. وَ لَا تُوَاصِلْ أَوْلِيَاءَ السُّلْطَانِ وَ حَاشِيَتَهُ، بَلْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ فَقَطْ، وَ تَبَاعَدْ عَنْ حَاشِيَتِهِ لِيَكُونَ مَجْدُك وَ جَاهُك بَاقِيًا.

 وَ لَا تَتَكَلَّمْ بَيْنَ يَدَيْ الْعَامَّةِ إلَّا بِمَا تُسْأَلُ عَنْهُ، وَ إِيَّاكَ وَ الْكَلَامَ فِي الْمُعَامَلةِ وَ التِّجَارَةِ إلَّا بِمَا يَرْجِعُ إلَى الْعِلْمِ؛ كَيْ لَا يُوقَفَ مِنْكَ عَلَى حُبِّك وَ رَغْبَتُك فِي الْمَالِ؛ فَإِنَّهُمْ يُسِيئُونَ الظَّنَّ بِك، وَ يَعْتَقِدُونَ مَيْلَك إلَى أَخْذِ الرِّشْوَةِ مِنْهُمْ.

وَ لَا تَضْحَكْ وَ لَا تَتَبَسَّمْ بَيْنَ يَدَي الْعَامَّةِ، وَ لَا تُكْثِر الْخُرُوجَ إلَى الْأَسْوَاقِ وَ لَا تُكَلِّم الْمُرَاهِقِينَ؛ فَإِنَّهُمْ فِتْنَةٌ، وَ لَا بَأْسَ أَنْ تُكَلِّمَ الْأَطْفَالَ وَ تَمْسَحَ رُءُوسَهُمْ. وَ لَا تَمْشِ فِي قَارِعَةِ الطَّرِيقِ مَعَ الْمَشَائِخِ وَ الْعَامَّةِ؛ فَإِنَّك إنْ قَدَّمْتَهُمْ ازْدَرَى ذَلِكَ بِعِلْمِك، وَ إِنْ أَخَّرْتَهُمْ ازْدَرَى بِك مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَسَنُّ مِنْك، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ قَالَ: { مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا فَلَيْسَ مِنَّا }. وَ لَا تَقْعُدْ عَلَى قَوَارِعِ الطَّرِيقِ، فَإِذَا دَعَاك ذَلِكَ فَاقْعُدْ فِي الْمَسْجِدِ، وَ لَا تَأْكُلْ فِي الْأَسْوَاقِ وَ الْمَسَاجِدِ. وَ لَا تَشْرَبْ مِنْ السِّقَايَاتِ وَ لَا مِنْ أَيْدِي السَّقَّائِينَ. وَ لَا تَقْعُدْ عَلَى الْحَوَانِيتِ، وَ لَا تَلْبَسِ الدِّيبَاجَ وَالْحُلِيَّ وَ أَنْوَاعَ الْإِبْرَيْسَمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى الرُّعُونَةِ.

وَ لَا تُكْثِر الْكَلَامَ فِي بَيْتِك مَعَ امْرَأَتِك فِي الْفِرَاشِ، إلَّا وَقْتَ حَاجَتِك إلَيْهَا بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَ لَا تُكْثِرْ لَمْسَهَا وَ مَسَّهَا، وَ لَا تَقْرَبْهَا إلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَ لَا تَتَكَلَّمْ بِأَمْرِ نِسَاءِ الْغَيْرِ بَيْنَ يَدَيْهَا، وَ لَا بِأَمْرِ الْجَوَارِي؛ فَإِنَّهَا تَنْبَسِطُ إلَيْك فِي كَلَامِك، وَ لَعَلَّك إذَا تَكَلَّمْت عَنْ غَيْرِهَا تَكَلَّمَتْ عَنْ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ. وَ لَا تَتَزَوَّجْ امْرَأَةً كَانَ لَهَا بَعْلٌ أَوْ أَبٌ أَوْ أُمٌّ أَوْ بِنْتٌ إنْ قَدَرْتَ، إلَّا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ أَقَارِبِها، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ ذَاتَ مَالٍ يَدَّعِي أَبُوهَا أَنَّ جَميعَ مَالِهَا لَهُ، وَ أَنَّهُ عَارِيَّةٌ فِي يَدِهَا.

وَ لَا تَدْخُلْ بَيْتَ أَبِيهَا مَا قَدَرْتَ، وَ إِيَّاكَ أَنْ تَرْضَى أَنْ تُزَفَّ فِي بَيْتِ أَبَوَيْهَا؛ فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَك، وَ يَطْمَعُونَ فِيهَا غَايَةَ الطَّمَعِ، وَ إِيَّاكَ وَ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِذَاتِ الْبَنِينِ وَ الْبَنَاتِ؛ فَإِنَّهَا تَدَّخِرُ جَمِيعَ الْمَالِ لَهُمْ وَ تَسْرِقُ مِنْ مَالِكَ وَ تُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْوَلَدَ أَعَزُّ عَلَيْهَا مِنْك. وَ لَا تَجْمَعْ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ. وَ لَا تَتَزَوَّجْ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّك تَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِجَمِيعِ حَوَائِجِهَا. وَ اطْلُب الْعِلْمَ أَوَّلًا، ثُمَّ اجْمَع الْمَالَ مِنْ الْحَلَالِ ثُمَّ تَزَوَّجْ؛ فَإِنَّك إنْ طَلَبْت الْمَالَ فِي وَقْتِ التَّعَلُّمِ عَجَزْت عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، وَ دَعَاك الْمَالُ إلَى شِرَاءِ الْجَوَارِي وَ الْغِلْمَانِ، وَ تَشْتَغِلُ بِالدُّنْيَا وَ النِّسَاءِ قَبْلَ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ؛ فَيَضِيعُ وَقْتُك وَ يَجْتَمِعُ عَلَيْك الْوَلَدُ وَ يَكْثُرُ عِيَالُك، فَتَحْتَاجُ إلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِمْ وَ تَتْرُكُ الْعِلْمَ. وَ اشْتَغِلْ بِالْعِلْمِ فِي عُنْفُوَانِ شَبَابِك وَ وَقْتِ فَرَاغِ قَلْبِك وَ خَاطِرِك، ثُمَّ اشْتَغِلْ بِالْمَالِ لِيَجْتَمِعَ عِنْدَك؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْوَلَدِ وَ الْعِيَالِ يُشَوِّشُ الْبَالَ؛ فَإِذَا جَمَعْت الْمَالَ فَتَزَوَّجْ.

وَ عَلَيْك بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَ النَّصِيحَةِ لِجَمِيعِ الْخَاصَّةِ وَ الْعَامَّةِ، وَ لَا تَسْتَخِفَّ بِالنَّاسِ، وَ وَقِّرْ نَفْسَك وَ وَقِّرْهُمْ وَ لَا تُكْثِرْ مُعَاشَرَتَهُمْ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُعَاشِرُوك، وَ قَابِلْ مُعَاشَرَتَهُمْ بِذِكْرِ الْمَسَائِلِ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ اشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ، وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ أَحَبَّك. وَ إِيَّاكَ وَ أَنْ تُكَلِّمَ الْعَامَّةَ بِأَمْرِ الدِّينِ فِي الْكَلَامِ؛ فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ يُقَلِّدُونَك فَيَشْتَغِلُونَ بِذَلِكَ. وَ مَنْ جَاءَك يَسْتَفْتِيك فِي الْمَسَائِلِ؛ فَلَا تُجِبْ إلَّا عَنْ سُؤَالِهِ وَ لَا تَضُمَّ إلَيْهِ غَيْرَهُ؛ فَإِنَّهُ يُشَوِّشُ عَلَيْك جَوَابَ سُؤَالِهِ. وَ إِنْ بَقِيت عَشْرَ سِنِينَ بِلَا كَسْبٍ وَ لَا قُوتٍ فَلَا تُعْرِضْ عَنْ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّك إذَا أَعْرَضْت عَنْهُ كَانَتْ مَعِيشَتُك ضَنْكًا.

وَ أَقْبِلْ عَلَى مُتَفَقِّهِيك كَأَنَّك اتَّخَذْت كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ابْنًا وَ وَلَدًا، لِتَزِيدَهُمْ رَغْبَةً فِي الْعِلْمِ. وَ مَنْ نَاقَشَك مِنْ الْعَامَّةِ وَ السُّوقَةِ فَلَا تُنَاقِشُهُ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ مَاءَ وَجْهِك. وَ لَا تَحْتَشِمْ مِنْ أَحَدٍ عِنْدَ ذِكْرِ الْحَقِّ وَ إِنْ كَانَ سُلْطَانًا. وَ لَا تَرْضَ لِنَفْسِك مِنْ الْعِبَادَاتِ إلَّا بِأَكْثَرَ مِمَّا يَفْعَلُهُ غَيْرُك وَ يَتَعَاطَاهَا؛ فَالْعَامَّةُ إذَا لَمْ يَرَوْا مِنْك الْإِقْبَالَ عَلَيْهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا يَفْعَلُونَ اعْتَقَدُوا فِيك قِلَّةَ الرَّغْبَةِ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّ عِلْمَك لَا يَنْفَعُك، إلَّا مَا نَفَعَهُمْ الْجَهْلُ الَّذِي هُمْ فِيهِ.

وَ إِذَا دَخَلْت بَلْدَةً فِيهَا أَهْلُ الْعِلْمِ؛ فَلَا تَتَّخِذُهَا لِنَفْسِك، بَلْ كُنْ كَوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهِا؛ لِيَعْلَمُوا أَنَّك لَا تَقْصِدُ جَاهَهُمْ، وَ إِلَّا يَخْرُجُونَ عَلَيْك بِأَجْمَعِهِمْ وَ يَطْعَنُونَ فِي مَذْهَبِك، وَ الْعَامَّةُ يَخْرُجُونَ عَلَيْك وَ يَنْظُرُونَ إلَيْك بِأَعْيُنِهِمْ فَتَصِيرُ مَطْعُونًا عِنْدَهُمْ، بِلَا فَائِدَةٍ. وَ إِنِ اسْتَفْتَوْك الْمَسَائِلَ فَلَا تُنَاقِشْهُمْ فِي الْمُنَاظَرَةِ وَ الْمُطَارَحَاتِ، وَ لَا تَذْكُرْ لَهُمْ شَيْئًا إلَّا عَنْ دَلِيلٍ وَاضِحٍ، وَ لَا تَطْعَنْ فِي أَسَاتِذَتِهمْ، فَإِنَّهُمْ يَطْعَنُونَ فِيك. وَ كُنْ مِنْ النَّاسِ عَلَى حَذَرٍ، وَ كُنْ لِلَّهِ تَعَالَى فِي سِرِّك كَمَا أَنْتَ لَهُ فِي عَلَانِيَتِك. وَ لَا تُصْلِح أَمْرَ الْعِلْمِ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَجْعَلَ سِرَّهُ كَعَلَانِيَتِهِ. وَ إِذَا وَلَّاك السُّلْطَانُ عَمَلًا لَا يَصْلُحُ لَك فَلَا تَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ، إلَّا بَعْدَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ إنَّمَا لايُوَلِّيك ذَلِكَ إلَّا لِعِلْمِك.

وَ إِيَّاكَ وَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مَجْلِسِ النَّظَرِ عَلَى خَوْفٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُوَرِّثُ الْخَلَلَ فِي الْخاطر وَ الْكَلَّ فِي اللِّسَانِ. وَ إِيَّاكَ أَنْ تُكْثِرَ الضَّحِكَ؛ فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ، وَ لَا تَمْشِ إلَّا عَلَى طُمَأْنِينَةٍ، وَ لَا تَكُنْ عَجُولًا فِي الْأُمُورِ، وَ مَنْ دَعَاك مِنْ خَلْفِك فَلَا تُجِبْهُ، فَإِنَّ الْبَهَائِمَ تُنَادَى مِنْ خَلْفِهَا. وَ إِذَا تَكَلَّمْت فَلَا تُكْثِرْ صِيَاحَك وَ لَا تَرْفَعْ صَوْتَك، وَ اتَّخِذْ لِنَفْسِك السُّكُونَ وَ قِلَّةَ الْحَرَكَةِ عَادَةً؛ كَيْ يَتَحَقَّقَ عِنْدَ النَّاسِ ثَبَاتُك.

وَ أَكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ لِيَتَعَلَّمُوا ذَلِكَ مِنْك، وَ اتَّخِذْ لِنَفْسِك وِرْدًا خَلْفَ الصَّلَاةِ، تَقْرَأُ فِيهَا الْقُرْآنَ، وَ تَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَ تَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَوْدَعَك مِنْ الصَّبْرِ وَ أَوْلَاك مِنْ النِّعَمِ. وَ اتَّخِذْ لِنَفْسِك أَيَّامًا مَعْدُودَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ تَصُومُ فِيهَا؛ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُك بِك، وَ رَاقِبْ نَفْسَك، وَ حَافِظْ عَلَى الْعلم لتَنْتَفِعَ مِنْ دُنْيَاك وَ آخِرَتِك بِعِلْمِك. وَ لَا تَشْتَرِ بِنَفْسِك وَ لَا تَبِعْ، بَلْ اتَّخِذْ لَك غُلَامًا مُصْلِحًا يَقُومُ بِأَشْغَالِكَ وَ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي أُمُورِك. 

وَ لَا تَطْمَئِنَّ إلَى دُنْيَاك وَ إِلَى مَا أَنْتَ فِيهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَائِلُك عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ. وَ لَا تَشْتَرِ الْغِلْمَانَ الْمُرْدَانَ، وَ لَا تُظْهِرْ مِنْ نَفْسِك التَّقَرُّبَ إلَى السُّلْطَانِ وَ إِنْ قَرَّبَك، فَإِنَّهُ تُرْفَعُ إلَيْك الْحَوَائِجُ؛ فَإِنْ قُمْتَ أَهَانَك وَ إِنْ لَمْ تَقُمْ أَعَابَك. وَ لَا تَتَّبِع النَّاسَ فِي خَطَايَاهُمْ، بَلْ اتَّبِعْ فِي صَوَابِهِمْ، وَ إِذَا عَرَفْت إنْسَانًا بِالشَّرِّ فَلَا تَذْكُرْهُ بِهِ، بَل اطْلُبْ مِنْهُ خَيْرًا تَذْكُرُهُ بِهِ، إلَّا فِي بَابِ الدِّينِ، فَإِنَّك إنْ عَرَفْت فِي دِينِهِ ذَلِكَ فَاذْكُرْهُ لِلنَّاسِ كَيْ لَا يَتَّبِعُوهُ وَ يَحْذَرُوهُ، قَالَ صلی الله علیه و سلم : { اُذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ حَتَّى يَحْذَرَهُ النَّاسُ، وَ إِنْ كَانَ ذَا جَاهٍ وَ مَنْزِلَةٍ }. وَ الَّذِي تَرَى مِنْهُ الْخَلَلَ فِي الدِّينِ فَاذْكُرْ ذَلِكَ وَ لَا تُبَالِ مِنْ جَاهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُعِينُك وَ نَاصِرُك وَ نَاصِرُ الدِّينِ، فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ مَرَّةً هَابُوكَ، وَ لَمْ يَتَجَاسَرْ أَحَدٌ عَلَى إظْهَارِ الْبِدْعَةِ فِي الدِّينِ.

وَ إِذَا رَأَيْت مِنْ سُلْطَانِك مَا يُوَافِقُ الْعِلْمَ، فَاذْكُرْ ذَلِكَ مَعَ طَاعَتِك إيَّاهُ؛ فَإِنَّ يَدَهُ أَقْوَى مِنْ يَدِك؛ تَقُولُ لَهُ: أَنَا مُطِيعٌ لَك فِي الَّذِي أَنْتَ فِيهِ سُلْطَانٌ وَمُسَلَّطٌ عَلَيَّ، غَيْرَ أَنِّي أَذْكُرُ مِنْ سِيرَتِك مَا لَا يُوَافِقُ الْعِلْمَ، فَإِذَا فَعَلْت مَعَ السُّلْطَانِ مَرَّةً كَفَاك؛ لِأَنَّكَ إذَا وَاظَبْت عَلَيْهِ وَ دُمْت لَعَلَّهُمْ يَقْهَرُونَك فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ قَمْعٌ لِلدِّينِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ لِيَعْرِفَ مِنْك الْجَهْدَ فِي الدِّينِ وَ الْحِرْصَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ. فَإِذَا فَعَلتَ ذَلِكَ بحيثُ عَرَفَ الناسُ منكَ ذلكَ الجدَّ، ثمَّ رأيتَ مَرَّةً أُخْرَى ذلكَ، فَادْخُلْ عَلَيْهِ وَحْدَك فِي دَارِهِ، وَ انْصَحْهُ فِي الدِّينِ، وَ نَاظِرْهُ إنْ كَانَ مُبْتَدِعًا، وَ إِنْ كَانَ سُلْطَانًا فَاذْكُرْ لَهُ مَا يَحْضُرُك مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْك، وَ إِلَّا فَاسْأَل اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَحْفَظَك مِنْهُ. وَ اذْكُر الْمَوْتَ، وَ اسْتَغْفِرْ لِلْأُسْتَاذِ وَ مَنْ أَخَذْت عَنْهُمْ الْعِلْمَ، وَ دَاوِمْ عَلَى التِّلَاوَةِ، وَ أَكْثِرْ مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، وَ الْمَشَايِخِ وَ الْمَوَاضِعِ الْمُبَارَكَةِ، وَ اقْبَلْ مِنْ الْعَامَّةِ مَا يَعْرِضُونَ عَلَيْك مِنْ رُؤْيَاهُمْ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ، وَ فِي رُؤْيَا الصَّالِحِينَ فِي الْمَسَاجِدِ وَ الْمَنَازِلِ وَ الْمَقَابِرِ. وَ لَا تُجَالِسْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الدَّعْوَةِ إلَى الدِّينِ، و الصِّراط المستقيم. وَ لَا تُكْثِر اللَّعنَ وَ الشَّتْمَ، وَ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَتَأَهَّبْ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ كَيْ لَا تَتَقَدَّمَ عَلَيْك الْعَامَّةُ، وَ لَا تَتَّخِذ دَارَك فِي جِوَارِ السُّلْطَانِ و لا جائِر، وَ مَا رَأَيْت عَلَى جَارِك فَاسْتُرْهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أَمَانَةٌ، وَ لَا تُظْهِرْ أَسْرَارَ النَّاسِ. وَ مَنْ اسْتَشَارَك فِي شَيْءٍ فَأَشِرْ عَلَيْهِ بِمَا تَعْلَمُ أَنَّهُ يُقَرِّبُك إلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَ اقْبَلْ وَصِيَّتِي هَذِهِ؛ فَإِنَّك تَنْتَفِعُ بِهَا فِي أُولَاك وَ آخِرتك، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. و كنْ واسعَ الكفِّ، قويَّ الباعِ و القلبِ تطمَئنُّ إلی الله تعالی. وَ إِيَّاكَ وَ الْبُخْلَ فَإِنَّهُ يُبْغَضُ بِهِ الْمَرْءُ، وَ لَا تَكُ طَمَّاعًا وَ لَا كَذَّابًا، وَ لَا صَاحِبَ تَخْلِيطٍ، بَل احْفَظْ مُرُوءَتَكَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا. وَ الْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ الْبِيضَ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَ أَظْهِرْ غِنَى الْقَلْبِ، مُظْهِرًا مِنْ نَفْسِك قِلَّةَ الْحِرْصِ وَ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا، وَ أَظْهِرْ مِنْ نَفْسِك الْغَنَاءَ، وَ لَا تُظْهِر الْفَقْرَ وَ إِنْ كُنْت فَقِيرًا، وَ كُنْ ذَا هِمَّةٍ؛ فَإِنَّ مَنْ ضَعُفَتْ هِمَّتُهُ ضَعُفَتْ مَنْزِلَتُهُ.

وَ إِذَا مَشَيْت فِي الطَّرِيقِ، فَلَا تَلْتَفِتْ يَمِينًا وَ لَا شِمَالًا، بَلْ دَاوِم النَّظَرَ إلَى الْأَرْضِ. وَ إِذَا دَخَلْت الْحَمَّامَ فَلَا تُسَاوِ النَّاسَ فِي أُجْرَةِ الْحَمَّامِ وَ الْمَجْلِسِ، بَلْ أَرْجِحْ عَلَى مَا تُعْطِي الْعَامَّة؛ لِتَظْهَرَ مُرُوءَتُكَ بَيْنَهُمْ فَيُعَظِّمُونَك. وَ لَا تُسَلِّم الْأَمْتِعَةَ إلَى الْحَائِكِ وَ سَائِرِ الصُّنَّاعِ، بَلْ اتَّخِذْ لِنَفْسِك ثِقَةً يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَ لَا تُمَاكِسْ بِالْحَبَّاتِ وَ الدَّوَانِيقِ، وَ لَا تَزِن الدَّرَاهِمَ، بَلْ اعْتَمِدْ عَلَى غَيْرِك. وَ حَقِّر الدُّنْيَا الْمُحَقَّرَةَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْهَا.

وَ وَلِّ أُمُورَك غَيْرَك لِيُمْكِنَك الْإِقْبَالُ عَلَى الْعِلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْفَظُ لِحَاجَتِك، وَ إِيَّاكَ أَنْ تُكَلِّمَ الْمَجَانِينَ، وَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْمُنَاظَرَةَ وَ الْحُجَّةَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَ اَلَّذِينَ يَطْلُبُونَ الْجَاهَ، وَ يَسْتَغْرِقونَ بِذِكْرِ الْمَسَائِلِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ؛ فَإِنَّهُمْ يَطْلُبُونَ تَخْجِيلَك وَ لَا يُبَالُونَ مِنْك، وَ إِنْ عَرَفُوك عَلَى الْحَقِّ.

وَ إِذَا دَخَلْت عَلَى قَوْمٍ كِبَارٍ فَلَا تَرْفَعْ عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَرْفَعُوك، كَيْ لَا يَلْحَقَ بِك مِنْهُمْ أَذِيَّةٌ. وَ إِذَا كُنْت فِي قَوْمٍ فَلَا تَتَقَدَّمْ عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَاةِ مَا لَمْ يُقَدِّمُوك عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ. وَ لَا تَدْخُل الْحَمَّامَ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ وَ الْغَدَاةِ، وَ لَا تَخْرُجْ إلَى النَّظَّارَاتِ. وَ لَا تَحْضُرْ مَظَالِمَ السَّلَاطِينِ؛ إِلَّا إذَا عَرَفْت أَنَّك إذَا قُلْت شَيْئًا يَنْزِلُونَ عَلَى قَوْلِك بِالْحَقِّ؛ فَإِنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا مَا لَا يَحِلُّ وَ أَنْتَ عِنْدَهُمْ رُبَّمَا لَا تَمْلِكُ مَنْعَهُمْ، وَ يظُنُّ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِسُكُوتِك فِيمَا بَيْنَهُمْ وَقْتَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ. وَ إِيَّاكَ وَ الْغَضَبَ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ، وَ لَا تَقُصَّ عَلَى الْعَامَّةِ، فَإِنَّ الْقَاصَّ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَكْذِبَ. وَ إِذَا أَرَدْت اتِّخَاذَ مَجْلِسٍ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ فَإِنْ كَانَ مَجْلِسَ فِقْهٍ فَاحْضُرْه بِنَفْسِك، وَ اذْكُرْ فِيهِ مَا تَعْلَمُهُ وَ إِلَّا فَلَا، كَيْ لَا يَغْتَرَّ النَّاسُ بِحُضُورِك فَيَظُنُّونَ أَنَّهُ عَلَى صِفَةٍ مِنْ الْعِلْمِ، وَ لَيْسَ هُوَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، وَ إِنْ كَانَ يَصْلُحُ لِلْفَتْوَى فَاذْكُرْ مِنْهُ ذَلِكَ وَ إِلَّا فَلَا. وَ لَا تَقْعُدْ لِيُدَرِّسَ الْآخَرُ بَيْنَ يَدَيْك، بَلْ اتْرُكْ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِك ثِقَة لِيُخْبِرَك بِكَيْفِيَّةِ كَلَامِهِ وَ كَمِّيَّةِ عِلْمِهِ. وَ لَا تَحْضُرْ مَجَالِسَ الذِّكْرِ أَوْ مَنْ يَتَّخِذُ مَجْلِسَ عِظَةٍ بِجَاهِك وَ تَزْكِيَتِك لَهُ، بَلْ وَجِّهْ أَهْلَ مَحَلَّتِك وَ عَامَّتَك الَّذِينَ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِمْ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِك. وَ فَوِّضْ أَمْرَ الْمَنَاكِحِ إلَى خَطِيبِ نَاحِيَتِك، وَ كَذَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَ الْعِيدَيْنِ. وَ لَا تَنْسَنِي مِنْ صَالِحِ دُعَائِك، وَ اقْبَلْ هَذِهِ الْمَوْعِظَةَ مِنِّي، وَ إِنَّمَا أُوصِيك لِمَصْلَحَتِك وَ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ ( انْتَهَى ).

[80] ـ طاعة وليِّ الأمر العادل في غير معصية و تحريم طاعته في المعصية: من أصول نظام الحكم في الإسلام، لأن الإخلال بالطاعة او العصيان بأي لون مسلَّح أو غير مسلَّح، يؤدي إلی الفتنة، و الفَوضی، و الاقتتال، و تفاقم المشكلات، فيكون من مقتضی الحكمة و الاعتدال تسوية الخلافات بالطرق الوُدِّية و بالنُّصح، و الكلمة الطَّیِّبة الهادفة، فربما يتحول الغضب إلی حلم، و الاختلاف إلی وفاق، فيحدث الخير و الاستقرار، و تستأصل شأفة الخلاف و النزاع. لذا قال الله تعالی آمراً بالطاعة: (  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) [ النساء : 59 ].

و أوضحت السُّنة النبوية المراد من الطاعة و كيفيتها و ضوابطها، ورد الحديث المتفق عليه عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلی الله عليه و سلم قال: ” علی المرء المسلم السمعُ و الطَّاعة فيما أحبَّ و كره، إلا أن يُؤمَرَ بمعصية، فإذا أمِرَ بمعصية، فلا سمعَ و لا طاعةً “.

أي إن ميزان الأمر بالطاعة: هو المعروف المتفق مع أصول الشريعة، و اجتناب المعصية التي نهی عنها الشرع، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

و يؤيده حديث آخر متفق عليه عن ابن عمر أيضاً قال: ” كنا إذا بايعنا رسول الله صلی  الله عليه و سلم علی السمع و الطاعة يقول لنا: فيما استطعتم “. و هذا يتفق مع جميع أوامر الإسلام و تكاليفه، فهي مبنية علی اليسر و دفع الحرج، و البعد عن العسر و المشقة. لذا كان آخر هذا الحديث: « فيما استطعتم  » أي حدِّدوا البيعة بقولكم: فيما استطعنا. و هو دليل علی حثِّ وليِّ الأمر علی الإشفاق علی الرعية، اقتداءً بشفقته و رحمته صلی الله عليه و سلم.

و يوبِّخ النبي عليه الصلاة و السلام، و يحذّر من الخروج عن طاعة الحاكم، أخرج مسلم عن ابن عمر أيضاً قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ يَقُولُ: « مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ و لَا حُجَّةَ لَهُ، وَ مَنْ مَاتَ وَ لَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ». و في رواية أخری لمسلم: « و من مات، و هو مفارق للجماعة، فإنه يموت ميتة جاهلية ». أي كميتة أهل الجاهلية علی الضلال، حيث إنهم كانوا لا يطيعون أميراً عاماً، و يرون ذلك عيباً. أفاد الحديث وجوبَ بيعة الإمام العادل، و التزامَ جماعة المسلمين، و حرمةَ الخروج عليه من غير مسوغ شرعي.

و يؤكده حديث آخر أخرجه البخاري  عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ:« اسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا، وَ إِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ  كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ». ( عبد حبشي ) أي مملوك أسود. ( كأن رأسه زبيبة ) أي أسود صغير جعد. و ذكر العبد في الحديث: للمبالغة في وجوب الطاعة، و إلا فلا تجوز تولية العبد المملوك، و يشترط كون الإمام الحاكم حرّاً.

و الطاعة شاملة في جميع الأحوال، و لو شقَّ ذلك علی المكلف أحياناً، أو أضاع بعض الحقوق الخاصة، لأن القاعدة الشرعية هي: « تقدیم المصلحة العامة علی المصلحة الخاصة ».

أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: « عَلَيْكَ السَّمْعَ وَ الطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَ يُسْرِكَ، وَ مَنْشَطِكَ وَ مَكْرَهِكَ، وَ أَثَرَةٍ عَلَيْكَ ». أي في حال فقرك و غناك، و نشاطك و ما يشق عليك، و المراد: ما تحبّه و ما تكرهه، و في حال الأثرة، أي إذا أعطي غيرُك، و فضِّل عليك، و لم تصل إلی حقك.

و علاج هذه الحالة: ما جاء في حديث متفق عليه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قَالَ : « مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ». هذا في الآخرة، و أما في الدنيا فيتعرض العاصي المستخف بأوامر الحاكم للذُّلِّ في الدنيا، ثم يعقبه العذاب في الآخرة.

أخرج الترمذي، و قال: حديث حسن، عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلى الله عَليه و سَلم يَقُولُ: « مَنْ أَهَانَ السلْطَانَ أَهَانَهُ اللهُ ». أي أذلَّه الله في الدنيا، و عذَّبه في الآخرة. انظر ( أخلاق المسلم – علاقته بالمجتمع – ص 158 – 160 ).

[81] ـ هذا من لطيف ما قيل في استعمال المداراة، و ممّا يكثرون الاستشهاد به، و هو ممّا أنشده أبو الحسن علي بن فَضَّالٍ المُجَاشِعِيّ النحوي لنفسه:

إنْ تُلْقِكَ الغُربَةُ في معشر

 قد أجمعوا فيكَ على بُغضِهِمْ

فدارِهِمْ ما دُمتَ في دارِهِمْ

 و أرضِهِمْ ما دُمْتَ في أرضِهِمْ

انظر ( تاريخ بغداد و ذيوله ج 20 ص 63 ، و مرآة الزمان في تواريخ الأعيان ج 19 ص 410 ، و النجوم الزاهرة في ملوك مصر و القاهرة ج 5 ص 124 ، و..  ).

وَ مِثْلُهُ لأَبِي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن أَبِي سَعِيْد بن أَحْمَد بن سَعِيْد بن إبْرَاهِيْم ابن شَرَفَ الجُذَامِيِّ القَيْرَوَانِيِّ :

يَا ثَاوِيًا فِي مَعْشَرٍ

 لَا يُصْطَلَى بِنَارِهِمْ

إِنْ تَبْكِ مِنْ شرَارِهِمْ

 عَلَى يَدَي شِرَارِهِمْ

فَمَا بَقِيْتَ جَارِهِمْ

 فَفِي هَوَاهُمْ جَارِهِمْ

وَارْضِهِمْ فِي أَرْضِهِمْ

 وَ دَارِهِمْ فِي دَارِهِمْ

انظر ( الدر الفريد و بيت القصيد ج 4 ص 342  و ..).

( دارِهم الأوَّلِ ) فعْلُ أمْرٍ من الْمُداراةِ، و ( دارِهم الثاني ) اسمٌ للمَحَلِّ و البلد و المَسْكَنِ و ( أرضِهم الأوَّلِ ) فعْلُ أمْرٍ من الإرضاء، و ( أَرضِهم الثاني ) اسم لموضع الاستيطان من الكُرَةِ الأرضيَّة. وَ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ رحمه الله تعالى:

مَا دُمْت حَيًّا فَدَارِ النَّاسَ كُلَّهُمُو

فَإِنَّمَا أَنْتَ فِي دَارِ الْمُدَارَاةِ

مَنْ يَدْرِ دَارَى وَ مَنْ لَمْ يَدْرِ سَوْفَ يَرَى

عَمَّا قَلِيلٍ نَدِيمًا لِلنَّدَامَاتِ

وَ قَالَ زُهَيْرٌ :

وَ مَنْ لا يُصَانِعْ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ

يُضَرَّسْ بِأَنْيَابٍ وَ يُوطَأْ بِمَنْسِمِ

وَالْمَنْسِمُ الرِّجِلُ اسْتِعَارَةٌ , و هُوَ فِي الأَصْلِ لِلدَّوَابِّ. ( غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ج 1 ص 162 ، و شرح الشفا للقاري الهروي ج 1 ص 287  ).

و الأحاديث في المداراة كثيرة، جمعها الإمام الحافظ ابن أبي الدنيا، و سمّاها بمداراة الناس و هي مطبوعة منفردة، و مندرجة في ( موسوعة رسائل ابن أبي الدنيا برقم 45 ) بتحقيقات العُلَماء، فليَرجع إليها العُقَلاء.

من المداراة أن تُخالِط الناس، فتسايرهم بالخير، و تعاشرهم بالمعروف، و تزايلهم بالشر، و تفارقهم بالمنكر. و قد جاء في المثل السائر الذي ورد من السّلف: “خالطوا الناس و زايلوهم”. أي عاشروهم في الأفعال الصالحة، و زايلوهم في الأفعال المذمومة.

و من المداراة أن ترميك الغربة في بلد ما، فتجد أن خلائق أهلها و عاداتهم على غير ما تعرف، فتترك كثيرا ممّا كنت تعرف، و تأخذ بما يعرفون؛ فإن ذلك من حسن المداراة. و كُلّ هذا مشروط بألا يكونَ فيما تأتي أو تذر محذور شرعي؛ فإن كان ثَـمّ محذور شرعي تعيّن تقديم الأمر الشرعي على كلّ عادة و عرف. انظر ( سوء الخلق ص 156، 157 ).

 عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه إنا لَنَبَشُّ في وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَ نَضْحَكُ إِلَيْهِم، وَ إنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنهُمْ. ( الجامع الكبير للسيوطي ج 22 ص 407 ).

قال محمد بن الحسين: أغرب الغرباء في وقتنا هذا مَن أخذ بالسّنن و صبرَ عليها، و حذر البدع و صبر عنها، و اتّبع آثار مَن سلف مِن أئمة المسلمين، و عرف زمانه و شدة فساده و فساد أهله، فاشتغل بإصلاح شأن نفسه مِن حفظ جوارحه، و ترك الخوض فيما لا يعنيه و عمل في إصلاح كسرته، و كان طلبه من الدنيا ما فيه كفايته، و ترك الفضل الذي يطغيه، و دارى أهل زمانه و لم يداهنهم، و صبر على ذلك، فهذا غريب و قلّ مَن يأنس إليه مِن العشيرة و الإخوان، و لا يضرّه ذلك، فإن قالَ قائلٌ: افرق لنا بينَ المداراة و المداهنة، قيل له: المداراة التي يثاب عليها العاقل، و يكون محمودا بها عندَ الله عزّ و جلّ، و عندَ مَن عقل عَن الله تعالى هو الذي يداري جميع الناس الذين لا بد له منهم، و مِن معاشرتهم لا يبالي ما نقص من دنياه، و ما انتهك به من عرضه بعد أن سلم له دينه، فهذا رجل كريم غريب في زمانه.

و المداهنة: فهو الذي لا يبالي ما نقص من دينه إذا سلمت له دنياه، قد هان عليه ذهاب دينه و انتهاك عرضه، بعد أن تسلم له دنياه، فهذا فعل مغرور، فإذا عارضه العاقل فقال: هذا لا يجوز لك فعلُه قال: نُداري فيكسو المداهنة المحرّمة اسم المداراة، و هذا غلط كبير مِن قائله، فاعلَم ذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم: مداراة الناس صدقة، و قال الحسن: المؤمن يداري و لا يماري، ينشر حكمة الله، فإن قبلت حمِد الله، و إن ردت حمِد الله عزّ و جلّ، و قال محمد ابن الحنفية رضي الله عنه: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف لمن لا يجد من معاشرته بدا، حتى يجعل الله عزّ و جلّ له منه فرجا و مخرجا. قال أبو بكر: فمن كان هكذا فهو غريب طوبى له ثم طوبى له. ( الغرباء للآجري ص 78 ).

[82] ـ فإنهم إذا مدحوك اليومَ ذموا غداً، و إن مدحوا فإن مدحهم لايزيد رزقاً و لا أجلاً، و لا ينفع يوم فقرك و فاقتك. و كذلك ذمهم لمَ يحذر منه؟ و لا يضرك ذمهم شيئاً و لا يعجل أجلك، و لا يؤخر رزقك، فإن العباد كلهم عجزة، لا يملكون لأنفسهم ضراً و لا نفعاً، و لا يملكون موتاً و لا حياة و لا نشوراً!

و في الحكاية المذكورة عن لقمان و ابنه تنبيه علی أن شأن الناس صعب جدا، ذكر أن لقمان دخل ذات يوم السوق و هو راكب حماراً و ابنه يسوقه، فقال الناس حين رأوه شيخ لم يشفق علی صبي، فأركبه خلفه، فقالوا اثنان علی حمار هلا زاد ثالثاً، فنزل لقمان و بقي الولد، فقالوا شيخ ماش و صبي راكب، فنزل الولد يمشي مع والده و ساقا الحمار جميعاً، فقالوا حمار فارغ و هذان يسوقانه، و كان غرض لقمان بهذا أن يری ابنه شأن الناس مع من يراعي نظرهم، فإنه لايسلم علی أي حالة تكون.

فكما روي عن سفيانَ الثَّورِيِّ و أكثَمَ بنِ صَيفِيٍّ و الإمامِ الشَّافِعِيِّ رحمهم الله تعالی: رضی الناسِ غايةٌ لاتُدرَكُ. و من المحال أن ترضي الناس جميعًا، حتى إنني قرأت بأن ابن حزم – رحمه الله تعالى – قال: ” من ظن أنه سوف يرضي الناس جميعًا فهو مجنون”.

و عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: سَأَلَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا رَبَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ: رَبِّ اجْعَلْنِي أَسْلَمُ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ، وَ لَا يَقُولُونَ فِيَّ إِلَّا خَيْرًا ” قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ: يَا يَحْيَى، لَمْ أَجْعَلْ هَذَا لِي فَكَيْفَ أَجْعَلُهُ لَكَ؟

و سألَ موسى – عليه السلام – أيضا أنْ يكفَّ ألسنةَ الناسِ عنهُ، فقال اللهُ عزَّ و جلَّ: يا موسى، ما اتخذتُ ذلك لنفسي، إني أخلقُهم و أرزقُهُمْ، و إنهم يسبُّونَنِي و يشتُموننِي!!.

و قِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: إِنَّ النَّاسَ يَأْتُونَ مَجْلِسَكَ لِيَأْخُذُوا سَقْطَ كَلَامِكَ فَيَجِدُونَ الْوَقِيعَةَ فِيكَ، فَقَالَ: « هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي أَطْمَعْتُ نَفْسِي فِي جِوَارِ اللَّهِ، فَطَمِعَتْ، وَ أَطْمَعْتُ نَفْسِي فِي الْجِنَانِ فَطَمِعَتْ، وَ أَطْمَعْتُ نَفْسِي فِي الْحُورِ الْعِينِ، فَطَمِعَتْ، وَ أَطْمَعْتُ نَفْسِي فِي السَّلَامَةِ مِنَ النَّاسِ، فَلَمْ أَجِدْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ لَا يَرْضَوْنَ عَنْ خَالِقِهِمْ، عَلِمْتُ أَنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ عَنْ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِمْ »!

 انظر ( مختصر منهاج القاصدين ص 222 ، و سراج الطالبين ج 2 ص ص 10 ، و الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث ص 108 ، و دورة الآداب ص 62 ، و إياك و الحسد ص 24 ، و الزهد الكبير للبيهقي ص 104 ، 105 ).

[83] ـ لاتندهش من هذا الكلام، فإنه مستفاد ممّا قاله الغزالي الإمام، في ( إحياء علوم الدين ج 1 ص 83 ). ثم لاشكّ فيه، و إليك بعض الأحاديث و الآثار التي وردت في خسرانهم.

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: « عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَ قَبْضُهُ أَنْ يُرْفَعَ ». وَ جمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ الْوُسْطَى وَ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ، هَكَذَا. ثُمَّ قَالَ: « الْعَالِمُ وَ الْمُتَعَلِّمُ شَرِيكَانِ فِي الْأَجْرِ، وَ لَا خَيْرَ فِي سَائِرِ النَّاسِ ». رواه ابن ماجه و غيره.

شرح الحديث: قال بعضهم: قوله: “و لا خير” أي كامل، ” في سائر الناس”، أي في باقي الناس بعد العالم و المتعلّم، و ذلك لأن الخير كلّه في العلم و أهله، فمَن لم يحصّله مع قدرته على تحصيله فلا خير فيه، بل لا يُعدّ من الناس، و لأن الخاصيّة التي يتميّز بها الإنسان عن سائر البهائم هو العلم و العمل، فالإنسان إنسان بما هو شريف لأجله، و ليس ذلك الشرف بقوّة شخصه، فإن الجمل الذي ضُرب به المثل في عجيب خلقه أقوى منه، و لا بكبر جثّته، فإن الفيل أعظم منه جثّة، و لا بشجاعته و قوّته، فإن الأسد أشجع منه و أقوى، و لا لأكله كثيرًا، فإن الجمل أوسع منه بطنًا، و أكثر أكلا، و لا ليجامع النساء، فإن أخس العصافير أقوى على السفاد منه، بل لم يُخلق إلا للعِلم و العمل، قال الله عزّ و جلّ: { وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات: 56 ]، فبهذه الخاصيّة الخاصّة يتميّز عن غيره من البهائم، فإذا عَدم العلم بقي معه القدر المشترك بينه و بين سائر البهائم، و هي الحيوانيّة المحضة، فلا يبقى فيه فضل عليهم، بل قد يبقى شرًّا منهم، كما قال تعالى في هذا الصنف من الناس: { أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } [ الأعراف: 179 ]، و قال: { إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ } [ الأنفال: 22 ]، فهؤلاء هم الجهال الذين لم يحصل لهم حقيقة الإنسانيّة التي يتميّز بها صاحبها عن سائر الحيوانات. انظر ( مشارق الأنوار الوهاجة ج 4 ص 361 ، 362 ).

و قال العلامة المحقق السندي: قَوْلُهُ ( وَ لَا خَير ) هُوَ مِثْلُ « مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ». فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ طَالِبَ الْفِقْهِ كَالْفَقِيهِ، وَ مَنْ لَا فِقْهَ لَهُ وَ لَا طَلَبَ فَلَا خَيْرَ لَهُ، لِتَنْزِيلِ الْحِرْمَانِ عَنْ خَيْرِ الْفِقْهِ مَنْزِلَةَ الْحِرْمَانِ عَنْ مُطْلَقِ الْخَيْرِ. انظر ( كفاية الحاجة علی سنن ابن ماجه ص 101 ).

و قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ – رضي الله تعالی عنه – : « الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَ مَا أَدَّى إِلَيْهِ، وَ الْعَالِمُ، وَ الْمُتَعَلِّمُ فِي الْخَيْرِ شَرِيكَانِ، وَ سَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ لَا خَيْرَ فِيهِمْ ». انظر ( الزهد لابن المبارك ص 191، و.. ).

وَ قَالَ الحسن – رَحِمَهُ اللَّهُ – : ” لَوْلَا الْعُلَمَاءُ لَصَارَ النَّاسُ مِثْلَ الْبَهَائِمِ ” أَيْ: إِنَّهُمْ بِالتَّعليمِ يُخْرِجُونَ النَّاسَ مِنْ حَدِّ الْبَهِيميةِ إِلَى حَدِّ الْإِنْسَانِيَّةِ. انظر ( إحياء علوم الدين ج 1 ص 18، و التبصرة لابن الجوزي ص 193 و.. ).

و قال ابن الجوزي رحمه الله: فيا من خلقه الله إنسانا لَا تجْعَل نَفسك بقلة الْعلم بَهِيمَة، و نافس فِي إعلاء قيمتك بِالْعلمِ، من لَيْسَ لَهُ علم فَلَيْسَ لَهُ قيمَة، اغتنم تعلّم العلم و احضر مجالسه، فَمن لَيْسَ بعالم وَ لَا متعلم فَهُوَ بمنزله الْبَهِيمَة وَ لَيْسَت فطرته سليمَة، يَا طَالب الْمجد وَ الْجَلالَة و الرفعة و المكرمات و الشرف، تعلّم العلم و احتسبه لوجه الله، لَا للمعاش و الحرف، و خذه من فَوق فالعلوم لنا أنفعه مَا روي عَن السّلف. ( التذكرة في الوعظ ص 56 ).

[84] ـ هذا ما يقال في الزّمان و أهله. انظر ( الأمثال المولدة ص 316 ، و مجمع الأمثال ج 1 ص 286 ). قَالَ أَبُو الْمَهْلُولِ: الزَّمَانُ وِعَاءٌ وَ إِنَّمَا فَسَدَ أَهْلُهُ. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:

أَرَى حُلَلًا تُصَانُ عَلَى أُنَاسٍ

 وَ أَعْرَاضًا تُنَالُ وَ لَا تُصَانُ

يَقُولُونَ: الزَّمَانُ زَمَانُ سُوءٍ

 وَ هُمْ فَسَدُوا وَ مَا فَسَدَ الزَّمَانُ

 ( الزهد الكبير للبيهقي ص 123 ). و لله در الإمام الشافعي رحمه الله تعالی حيث قال:

نعِيبُ زَمَانَنَا وَ العَيْبُ فِينَا

 وَ مَا لِزَمَانِنَا عَيْبٌ سِوَانَا

وَ نَهْجُو ذَا الزَّمَانَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ

 وَ لَوْ نَطَقَ الزَّمَانُ لَنَا هَجَانَا

وَ لَيْسَ الذِّئبُ يَأَكُلُ لَحْمَ ذِئْبٍ

 وَ يَأْكُلُ بَعْضُنَا بَعْضَاً عِيَانَا

انظر ( ديوان الإمام الشافعي ص 117 ).

ثم هو عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَ مِنْ جِهَتِهِ الْخَطَّابِيُّ فِي الْعُزْلَةِ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ: ذَهَبَ الناس و بقي النساس، فَقِيلَ لَهُ: مَا النَّسْنَاسُ؟ قَالَ: يَتَشَبَّهُونَ بِالنَّاسِ وَ لَيْسُوا بِنَاسٍ، و هو عند أبي نُعيم في الحلية من جهة ابن أبي مليكة فقال: عن ابن عباس من قوله بلفظ: ذهب الناس و بقي النسناس قيل: و ما النسناس قال: الذين يتشبهون بالناس و ليسوا بالناس، و في المجالسة للدينوري عن الحسن البصري مثله بدون تفسير و زاد: لو تكاشفتم ما تدافنتم، و كذا هو في غريب الهروي و الفايق للزمخشري، و النهاية لابن الأثير، بدون زيادة، و لا تفسير، و قال ابن الأثير: قيل: هم يأجوج و مأجوج و قيل: خلق على صورة الناس أشبهوهم في شيء و خالفوهم في شيء، و ليسوا من بني آدم و قيل: هم من بني آدم. و نونه الأولى مكسورة، و قد تُفتح. انظر ( المقاصد الحسنة للسخاوي ص 356 ، و حسن التنبه ج 2 ص  117 ، و ج 11 ص 284 ، و معجم ابن الأعرابي ج 2 ص 854 ، و الزهد الكبير للبيهقي ص 123  ).

فتأمل تفسير الأصحاب رضي الله عنهم عند ما سئلوا عن معنی كلامهم هذا، بقولهم: يتشبهون إلخ يعني هم ناس في أجسامهم و صورهم و أقوالهم، و ليسوا بناس في أخلاقهم و سيرهم و سريرتهم و أفعالهم!.

و عن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت: رحم الله لبيدا، كان يقول: ذهب الذين يعاش في أكنافهم … و بقيت خلف كجلد الأجرب فكيف لو أبصر زماننا هذا؟ قال عروة: و نحن نقول: رحم الله عائشة، فكيف لو أدركت زماننا هذا. ( العقد الفريد ج 2 ص 187 ).

و قال ابن المِبْرَد بعد ما نقل كلام ابن عباس رضي الله عنهما: هذا في زمنه، و في زماننا: ذهب النسناسُ، و بقي الأنجاس، و الخناسُ الذي يوسوس في صدور الناس. ارجع إلی ( صب الخمول ص 91 ).

و قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ قَرَأْتُ لِمَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ فِي صِفَةِ الزَّمَانِ: تَغَيَّرَ الزَّمَانُ حَتَّى كَلَّ عَنْ وَصْفِهِ اللِّسَانُ. فَأَمْسَى خَرِفًا بَعْدَ حَدَاثَتِهِ، شَرِسًا بَعْدَ لِينِهِ، يَابِسَ الضَّرْعِ بَعْدَ غَزَارَتِهِ، ذَابِلَ الْفَرْعِ بَعْدَ نَضَارَتِهِ، قَاحِلَ الْعُودِ بَعْدَ رُطُوبَتِهِ، بَشِعَ الْمَذَاقِ بَعْدَ عُذُوبَتِهِ، فَلَا تَكَادُ تَرَى لَبِيبًا إِلَّا ذَا كَمَدٍ، وَ لَا ظَرِيفًا وَاثِقًا بِأَحَدٍ، وَ مَا أَصْبَحَ لَهُ حَلِيفًا إِلَّا جَاهِلٌ، وَ لَا أَمْسَى بِهِ قَرِيرَ عَيْنٍ إِلَّا غَافِلٌ، فَمَا بَقِيَ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا الِاسْمُ، وَ لَا مِنِ الدِّينِ إِلَّا الرَّسْمُ، وَ لَا مِنَ التَّوَاضُعِ إِلَّا الْمُخَادَعَةُ، وَ لَا مِنَ الزَّهَادَةِ إِلَّا الِانْتِحَالُ، وَ لَا مِنَ الْمُرُوءَةِ إِلَّا غُرُورُ اللِّسَانِ، وَ لَا مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَّا حَمِيَّةُ النَّفْسِ، وَ الْغَضَبُ لَهَا وَ تَطَلُّعُ الْكِبْرِ مِنْهَا، وَ لَا مِنَ الِاسْتِعَادَةِ إِلَّا التَّعْزِيزُ وَ التَّبْجِيلُ ، فَالْمَغْرُورُ الْمَائِقُ الْمَذْمُومُ عِنْدَ الْخَلَائِقِ، النَّادِمُ فِي الْعَوَاقِبِ الْمَحْطُوطُ عَنِ الْمَرَاتِبِ، مَنِ اغْتَرَّ بِالنَّاسِ وَ لَمْ يَحْسِمْ رَجَاءَهُ بِالْيَأْسِ وَ لَمْ يُظْلِفْ قَلْبَهُ بِشِدَّةِ الِاحْتِرَاسِ، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنَ النَّاسِ، فَقَدْ قَلَّ النَّاسُ وَ بَقِيَ النَّسْنَاسُ، ذِئَابٌ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ، إِنِ اسْتَفْرَدْتَهُمْ حَرَمُوكَ، وَ إِنِ اسْتَنْصَرْتَهُمْ خَذَلُوكَ، وَ إِنِ اسْتَنْصَحْتَهُمْ غَشُّوكَ، وَ إِنْ كُنْتَ شَرِيفًا حَسَدُوكَ، وَ إِنْ كُنْتَ وَضِيعًا حَقَرُوكَ، وَ إِنْ كُنْتَ عَالِمًا ضَلَّلُوكَ وَ بَدَّعُوكَ، وَ إِنْ كُنْتَ جَاهِلًا عَيَّرُوكَ وَ لَمْ يُرْشِدُوكَ، إِنْ نَطَقْتَ قَالُوا مِكْثَارٌ مِهْذَارٌ صَفِيقٌ، وَ إِنْ سَكَتَّ قَالُوا غَبِيٌّ بَلِيدٌ بَطِيءٌ، وَ إِنْ تَعَمَّقْتَ قَالُوا مُتَكَلِّفٌ مُتَعَمِّقٌ، وَ إِنْ تَغَافَلْتَ قَالُوا جَاهِلٌ أَحْمَقُ، فَمُعَاشَرَتُهُمْ دَاءٌ وَ شَقَاءٌ، وَ مُزَايَلَتُهُمْ دَوَاءٌ وَ شِفَاءٌ، وَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّوَاءِ مَرَارَةٌ وَ كَرَاهَةٌ، فَاخْتَرِ الدَّوَاءَ بِمَرَارَتِهِ وَ كَرَاهَتِهِ عَلَى الدَّاءِ بِغَائِلَتِهِ وَ آفَتِهِ. وَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ( العزلة للخطابي ص 71، 72 ).

و في هذا المعنی ما روي عَنْ مِرْدَاسٍ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: « يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ، الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَ يَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ، أَوِ التَّمْرِ، لاَ يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بَالَةً ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ – الإمام البخاري – : « يُقَالُ حُفَالَةٌ وَ حُثَالَةٌ ». رواه البخاري و غيره.

و خَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، – رضي الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، قَالَ: « لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدُ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعَ بْنَ لُكَعٍ». وَ فِي ” صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ ” عَنْ أَنَسٍ، – رضي الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ قَالَ: « لَا تَنْقَضِي الدُّنْيَا حَتَّى تَكُونَ عِنْدَ لُكَعِ بْنِ لُكَعٍ ». وَ خَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، – رضي الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، قَالَ: « لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعٍ ».

قال السندي: هو كزفر غير منصرف بالعدل، و الوصف، و هو لغة العبد، ثم يستعمل في اللئيم، و الصغير، و نحو ذلك. و قال الدهلوي: اللئيم، و العبد، و الأحمق، و من لا يتجه لمنطق و لا غيره. و قال الكشميري: لعين بن لعين. و قال أسود: يعني المتهم بن المتهم. و قال القاري: لَئِيمُ بْنُ لَئِيمٍ، أَيْ: رَدِيءُ النِّسَبِ دَنِيءُ الْحَسَبِ.

و قال الطيبي: اللكع العبد، و قد يكنى به عن الحمق، و يوصف به اللئيم، و يقولون للعبد: لكع؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الذِّلَّةِ، وَ لِلْجَحْشِ لكع، لِمَا فِيهِ مِنَ الْخِفَّةِ، وَ لِلصَّبِيِّ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ، وَ يُقَال: أيضا للذليل الذي تكون نفسه نفس العبيد، و أُرِيد به هَاهُنَا الَّذي لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ، و لَا يُحْمَدُ لَهُ خُلُقٌ.

و من طريف الوقائع ما جاء في ” تهذيب الكمال ” للمزي، و ” سير أعلام النبلاء ” للذهبي، في ترجمة الإمام المحدث أبي نعيم الفضل بن دكين، الكوفي، المولود سنة 130 ، و المتوفي سنة 219 رحمه الله تعالی:  كَانَ أَبُو نُعَيْمٍ ذَا دُعَابَةٍ، فَرَوَى عَلِيُّ بنُ العَبَّاسِ المقَانِعِيُّ سَمِعْتُ الحُسَيْنَ بنَ عَمْرٍو العَنْقَزِيَّ يَقُوْلُ: دَقَّ رَجُلٌ عَلَى أَبِي نُعَيْمٍ البَابَ فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قَالَ: أَنَا قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالَ: رَجُلٌ مِن وَلدِ آدَمَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو نُعَيْمٍ وَ قَبَّلَه وَ قَالَ: مَرْحَباً وَ أَهْلاً، مَا ظَنَنْتُ أَنَّهُ بَقِيَ مِنْ هَذَا النَّسْلِ أَحَدٌ. انظر ( جامع العلوم و الحكم ج 1 ص 138 ، 139 ، و حاشية السندي علی مسند الإمام أحمد ج 22 ص 178 ، و لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح ج 8 ص 562 ، و العرف الشذي شرح سنن الترمذي ج 3 ص 414 ، و مرقاة المفاتيح ج 8 ص 3362 ، و الكاشف عن حقائق السنن ج 11 ص 3392 ، و مسند أحمد، و رسالة من أدب الإسلام ص 20 ).

و عن شقيق بن إبراهيم قال: أوصى إبراهيم بن أدهم قال: عليك بالناس، و إيّاكم مِن الناس، و لا بدّ مِن الناس، فإنَّ الناس هم الناس، و ليسَ الناس بالناس، ذهب الناسُ و بقي النّاس. و ما أراهم بالناس، إنّما هم غمسوا في ماء الناس.

قال إبراهيم: أمّا قولي: عليك بالناس، بمجالسة العلماء. و أمّا قولي: إيّاك و الناس: إيّاك و مجالسة السفهاء. و أمّا قولي: لا بدّ من الناس: لا بدّ من الصلوات الخمس و الجمعة، و الحجّ، و الجهاد، و اتّباع الجنائز، و الشراء و البيع و نحوه. و أمّا قولي: الناس هم الناس: الفقهاء و الحكماء. و أمّا قولي: ليس الناس بالناس: أهل الأهواء و البدع. أمّا قولي: ذهب الناس: ذهب النبيّ صلّى الله عليه وسلم و أصحابه. و أمّا قولي: و بقي الناس: يعني من يروى عنهم عن النبيّ صلّى الله عليه و سلم و أصحابه. و أمّا قولي: و ما أراهم بالناس، إنّما هم غمسوا في ماء الناس: نحن و أمثالنا. انظر ( تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر  ج 6 ص 315 ، 316 ، و المقفى الكبير للمقريزي ج 1 ص 48 ، 49 ).

[85] ـ مستفاد من أمثال المولدين، يقال للشيء: « ذَهَبَ عَصِيرِي وَ بَقي ثَجِيرِي ». إذا ذهبت منفعته، و بقيت كلفته. انظر ( الأمثال المولدة ص 243 ،244، و مجمع الأمثال ج 1 ص 286 ). ( العصير ): علی وزن فعيل بمعنی المعصور، كل شئ عصر ماؤه فهو عصير، كعصير البرتقال و نحوه. ( الثجير): بالثاء المثلثة ثُفْل كلّ شيء يُعْصَر، و في الحديث: لا تَثْجُرُوا، أي لا تخلطوا ثجير التمر مع غيره في النبيذ. كما في كتب اللغة.

[86] ـ الشریعة: هي ما أمرنا الله به و نهانا عنه، و هي كالسفينة. و الطريقة: هي قصد الوصول إلی الله، و هي كالبحر. و الحقيقة: شهود أنّ ذلك مِن الله و بتوفيقه، و هي كالدّر الذي يقصد و يراد. انظر ( مجموع التأليفات و العطايا و الهبات – رسالة  هداية الرفيق إلی سلوك الطريق –  ص 33 ).

[87]ـ لَا يَتَحَقَّقَ شَيْءٌ مِنْ عِلْمِ الْبَاطِنِ إِلَّا بَعْدَ التَّحَقُّقِ بِإِصْلَاحِ الظَّاهِرِ، كَمَا أَنَّ عِلْمَ الظَّاهِرِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِإِصْلَاحِ الْبَاطِنِ، وَ لِذَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ رحمه الله: مَنْ تَفَقَّهَ وَ لَمْ يَتَصَوَّفْ فَقَدْ تَفَسَّقَ، وَ مَنْ تَصَوَّفَ وَ لَمْ يَتَفَقَّهْ فَقَدْ تَزَنْدَقَ، وَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ تَحَقَّقَ، وَ قَالَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ: هُمَا عِلْمَانِ أَصْلِيَّانِ لَا يَسْتَغْنِي أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِمَنْزِلَةِ الْإِسْلَامِ وَ الْإِيمَانِ مُرْتَبِطٌ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ، كَالْجِسْمِ وَ الْقَلْبِ لَا يَنْفَكُّ أَحَدٌ عَنْ صَاحِبِهِ. انظر ( مرقاة المفاتيح ج 1 ص  335 ، و المدخل إلی طلب العلم ص 35 ). و عن أَبي بَكْرٍ الْوَرَّاق قالَ: ” مَنِ اكْتَفَى بِالْكَلَامِ مِنَ الْعَمَلِ دُونَ الزُّهْدِ وَ الْفِقْهِ تَزَنْدَقَ، وَ مَنِ اكْتَفَى بِالزُّهْدِ دُونَ الْفِقْهِ وَ الْكَلَامِ تَبَدَّعَ، وَ مَنِ اكْتَفَى بِالْفِقْهِ دُونَ الزُّهْدِ وَ الْوَرَعِ تَفَسَّقَ، وَ مَنْ تَفَنَّنَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا تَخَلَّصَ ” ( حلیة الأولياء ج 10 ص 236 ، و شعب الإيمان ج 3 ص 296 ). و كان حاتم الأصم – رحمه الله تعالى – يقول: من اكتفى بالكلام من العلم دون الزهد و الفقه تزندق، و من اكتفى بالزهد دون الفقه و الكلام تبدع، و من اكتفى بالفقه دون الزهد و الكلام تفسق، و من جمع بينها تخلص. ( تنبيه المغترين ص 157 ).

و قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالی:

فقيهاً و صوفياً فكن ليسَ واحداً

 فَإني وَ حَقِّ اللَّهِ إيَّاكَ أَنْصَحُ

فذلك قاسٍ، لم يذق قلبه تقىً

 و هذا جهولٌ،كيف ذوالجهل يصلحُ؟

انظر ( ديوان الإمام الشافعي ص 56 ).

و قال العلامة الوفائي في منظومته الشهيرة بــ ( رونق الإسلام ص 106 ، 107 ).

بيلماسنگ اسلام شریعت یولی نی     نه بیلاسن اول طریقت حالی نی

بو حقیقت ملکینی ال گه آلان       اول شریعت هم طریقت یول یوران

[88] ـ أخرج أَحْمد وَ التِّرْمِذِيّ وَ حسنه وَ ابْن ماجة عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَ سلم: قَالَ الله: ابْن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وَ أسد فقرك، وَ إِلَّا تفعل مَلَأت صدرك شغلا، وَ لم أَسد فقرك. ( الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج 7 ص 625 ).

وَ عَنْ عِمْرَانَ الْقَصِيرِ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَنْ شَيْءٍ، فَقُلْتُ: إنَّ الْفُقَهَاءَ يَقُولُونَ كَذَا وَ كَذَا، قَالَ: وَ هَلْ رَأَيْت فَقِيهًا بِعَيْنَيْك، إنَّمَا الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا، الْبَصِيرُ بِدِينِهِ، الْمُدَاوِمُ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ. انظر ( مصنف ابن أبي شيبة ج 7 ص 186 ، و حلية الأولياء ج 2 ص 147 ، و سنن الدارمي ج 1 ص 337 ، و الزهد لأحمد بن حنبل ج 1 ص 455 ، و أخلاق العلماء للآجري ص 74 ، و …). فالفقيه و العالم هو المداوم علي العبادة.

[89] ـ الآخرة و اليوم الآخر و الأخری: تطلق كُلّها علی يوم القيامة، حين إطلاقها، و هي دار البقاء، كما أن الدنيا دار الفناء، و هي الدّار الآجلة، كما أن الدنيا الدّار العاجلة، و جاء ذكر الآخرة في الكتاب العزيز – ترغيباً – كما في سورة ( الأعلی : 17، و الضحی : 4 ) و – ترهيباً – في سورة  ( البقرة : 114). انظر ( مفردات من الحضارة الإسلامية ص 5 ).

[90] ـ قال الله تعالی : وَ مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَ سَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ( الإسراء : 19 ). و عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، يَقُولُ: « مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا، هَمَّ الْمَعَادِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَ مَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهِ هَلَكَ ». رواه ابن ماجه

و عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: « مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَ جَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَ أَتَتْهُ الدُّنْيَا وَ هِيَ رَاغِمَةٌ، وَ مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَ فَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَ لَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ». رواه الترمذي و غيره.

[91] ـ أخرج الْحَاكِم وَ صَححهُ وَ الْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد و اللفظ له عَن سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله عَنهُ قَالَ: أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَ سلم رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله أوصني و أوجز فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَ سلم: عَلَيْك بالإياس مِمَّا فِي أَيدي النَّاس، وَ إِيَّاك و الطمع فَإِنَّهُ فقر حَاضر، وَ إِيَّاك وَ مَا يعْتَذر مِنْهُ. ارجع إلی ( الترغيب و الترهيب من الحديث الشريف ج 1 ص 334 ، 335 ، و الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج 2 ص 96 ).

و عن علي كرم الله تعالی وجهه قال: النّعم ستة: الإسلام و القرآن و محمّد و الستر و العافية و الغنى ممّا في أيدي النّاس. ( الكشف و البيان عن تفسير القرآن للثعلبي ج 2 ص 17 ). و قال الشافعي رحمه الله: الخير في خمسة: غنى النفس، و كف الأذى، و كسب الحلال، و التقوى، و الثقة بالله. ( أنيس الفضلاء من سير أعلام النبلاء ص 161 ).

[92]ـ مستفاد من قول الله عزّ و جلّ : وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ” ( الطلاق : 2،3 ). سوی الإسلام بين الناس، من غير تمييز في الحقوق الأساسية بين الحاكم و المحكوم، و العالم و الجاهل، و الرجل و المرأة، و الغني و الفقير، و القوي و الضعيف، و لم يفضل أحدا علی غيره إلا بالتقوی و العمل الصالح، ففي هذا المجال وحده يتفاضل الناس، فينفع الإنسان حينئذ نفسه في الدنيا و الآخرة، و ينفع أمته فينهض بها و يقدم لها الخير و يبني لها المجد و العزة، قال الله تعالی: ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثَى وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) [ الحجرات : 13 ].

و أكد النبي عليه الصلاة و السلام علی مبدأ المساوات، و جعل التقوی وحدها ميزان التفاضل. انظر ( أخلاق المسلم – علاقته بالنفس و الكون – ص 352 ). و قد مرّ تعريف التقوی و نبذة من الكلام عند قوله ( اتق الله ما استطعت ) فلا طائلَ ههنا إلی البحث عن هذا المرام، و لكني أردتُ أن أجمع آيات التقوی هديةً للأنام، ثم رأيتُها مجموعةً في ( الطريقة المحمدية للإمام البركوي ) فأفادَ و أجادَ، و ألّف فيه انفراداً الشيخُ حسين الجبوري باسم ( آيات التقوى في القرآن الكريم ) و قد أحصاها و عدَّها عدّا، فجزاهما اللهُ خيراً كثيراً، فانصرفتُ و أحلتُها إليهما فليرجع.

[93]ـ مأخوذ من كلامه سبحانه و تعالی: وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ” ( الطلاق: 3 ). تحرير مفهوم التوكّل: إيّاك أن تتوهّم أنّ الأمر الوارد في قوله تعالی: ” فتوكل عليه ” ( آل عمران: 159 ) بالتوكّل الذي مرجعه إلی كِلة الأمر إلی مالكه، و التعويل علی وكالته يستلزم النهي عن التوسل بالكسب و أسبابه، لأن التوكّل: إسقاط الأسباب عن حيز الاعتداد بها و الاعتماد عليها، و الاستظهار بادخار الذخائر، لا إسقاطها عن حيز الإمداد علی الوجه المعتاد.

و قد أشار النبي عليه الصلاة و السلام إلی أن التوكل ليس التعطل، بل لابد فيه من التوسل بنوع مِن السبب، حيث قال: « لو توکلتم علی الله حق التوکّل لرزقتم كما ترزق الطير، تغدو خماصا و تروح بطانا ». فإنّ الطير ترزق بالطلب و السعي. انظر ( مجموع رسائل العلامة ابن كمال باشا ج 3 الرسالة { 39 } مدح السعي و ذم البطالة ص 389 ت: محمد بسام حجازي ).

و طبعها منفردة، { مركز أنوار العلماء للدراسات } بتحقيق الدكتور صلاح محمد أبوالحاج، و { دار الدعوة } بتحقيق أبي عاصم البركاتي المصري، و { دار الضياء للنشر و التوزيع } مع رسالة –  حسن الفهم و التعقل في جمع الكسب و التوكل –  للإمام السندي، بتحقيق أبي البركات حق النبي السندي الأزهري.

و قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ وَ غَيْرُهُ: الْمَذْهَبُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَ الْجَمَاعَةِ، وَ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى أَنَّ التَّوَكُّلَ الْمَأْمُورَ بِهِ بَعْدَ كَسْبِ الْأَسْبَابِ، ثُمَّ التَّوَكُّلُ بَعْدَهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى دُونَ الْأَسْبَابِ، يَعْنِي أَنَّ التَّوَكُّلَ مَعَ مُرَاعَاةِ الْأَسْبَابِ، لَا مَعَ قَطْعِ الْأَسْبَابِ، لَكِنْ بَعْدَ مُرَاعَاةِ الْأَسْبَابِ يَعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا عَلَى الْأَسْبَابِ. ( حاشية الشلبي علی تبيين الحقائق ج 6 ص 33 ).

و تعريفات العرفاء للتوكل مذكورة بما لا مزيد عليه في ( الغنية لطالبي طريق الحق عزّ و جلّ ج 2،  ص 316 – 321 )، و ( حقائق التفسير للسلمي ج 1 ص 175، 324، 342 – 343 ، 366، و ج 2 ص 63 – 64، 82 – 83، 96 – 97، 141، 333 – 334 ). و للحافظ ابن أبي الدنيا رسالة فيه، جمع فيها الأحاديث الواردة في التوكل، فليرجع إليها.

و قال العلامة مفتي الديار العراقية الشيخ عبدالكريم المدرس رحمه الله تعالی: الواجب علی المسلم أن يهتدي بهدي الكتاب و السنة السنية، و يفتش عن الأسباب، سواء كانت من الأسباب العلوية أو السفلية، و يداوم علی التجارب الصحيحة، ليحصل علی النتيجة و يجعلها أصلا أصيلا في الاستفادة و الرقي في كافة نواحي السعادة البشرية الدنيوية و الأخروية، فقد جرت سنة الله في الكون بخلق الأسباب و ترتيب المسببات عليها، كما جرت عادته بإعلاء شأن من باشرها و اجتهد في تحصيلها، و قد قال في قصة ذي القرنين ( فأتبع سببا ) كما يجب عليه أن يتوكل بعد ذلك علی الله العزيز العليم، فإن من الأسباب ما هو خفي لايعلمه إلا الله و لايقدر علی تيسيره إلا هو، و من أقواها بل و من الجزء الأخير للعلة التامة تعلق إرادته و ما تشاؤون إلا أن يشاء الله. و أما إنكار الأسباب العادية فهو معارضة لسنة الله في العالم، و مصارعة مع الحقائق، و نكبة من أدهي النكبات.

و أما تركها بدعوی التوكل فهو من دسائس النفس، و وساوس الشيطان، فإن ذلك المدعي لو سلمنا صدقه في توكله فهو لايعمل لنفسه و ليس مسؤولا عن أحواله إزاء شخصه فقط بل يسأل أيضا عمّا في طاقته إزاء الإسلام و المسلمين سواء كانت من حيث الإرشاد أو العمل.

ثم إن أكمل العباد علی الإطلاق هو سيد المرسلين عليه الصلاة و السلام و هو من أعقل الناس و أزهدهم في الدنيا و أشدّهم توكّلا علی الله مع أنه لم يأل جهدا طيلة مدة بعثته و حياته في الجهد لإصلاح العالم بشتی الوسائل من الوعظ و الإرشاد، و الصبر علی الأذي، و تسيير السرايا و تجهيز الجيوش، و إرسال الوفود و الدعاة، و بعث الناس بالمكاتيب إلی كبار العالم إلی أن أيده الله بالفتح و النصر و الظفر. ( الوسيلة في شرح الفضيلة ج 1 ص 408 ، 409 ).

و قال الشيخ عبد الفتاح أبوغدة رحمه الله تعالی: و من حقيقة التوكل: إثبات الأسباب و المسببات، و من نفاها فتوكله مزح و لعب. و هذا عكس ما يظهر في بادئ الرأي من أن إثبات الأسباب يقدح في التوكل، و لكن الأمر بخلافه، فإن نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكل البتة، فإن التوكل أقوی الأسباب في حصول المتوكل به، فالتوكل كالدعاء الذي جعله الله سببا في حصول المدعو به.

و مصداق هذا قول النبي صلی الله عليه و سلم للأعرابي حين سأله: يا رسول الله أ أرسل ناقتي و أتوكل؟ قال: « اعقلها و توکل » رواه ابن حبان و إسناده صحيح. و عقل الناقة: شد ركبتها مع ذراعها بحبل. باختصار من تحقيق الشيخ أبي غدة علی ( رسالة المسترشدين ص 193 ). و للاستزادة انظر ( كتاب الكسب، للإمام المحدث المجتهد محمد بن الحسن الشيباني، و شرحه للإمام السرخسي بتحقيق الشيخ أبي غدة. و المجالس الشامِيَّة في المواعظ الرُّومِيَّة، للشيخ عبدالغني النابلسي ص 100 – 102 ، و أصول الإيمان و الإسلام، للشيخ وهبة الزحيلي رحمهم الله تعالی ج 1 ص 210 – 221 ).

[94] ـ في التنزيل العزيز: ” وَ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقَى”.( طه :  131 ).

[95] ـ قال الشاعر:

أَلا إِن دنياك مثل الوديعه

 جَمِيع أمانيك فِيهَا خديعه
ج
فَلَا تغترر بِالَّذِي نلْت مِنْهَا

 فَمَا هُوَ إِلَّا سراب بقيعه
ج

 ( يتمة الدهر في محاسن أهل العصر ج 4 ص 477 ). و قال آخر:

الَا إِنَّمَا الدنياسراب بقيعة

 و خلب برق و اعتراض سنات

فَلَا تأسين مِنْهَا على فَائت مضى

 وَ لَا تفرحن مِنْهَا بِمَا هُوَ آتٍ

 ( نظم العقيان في أعيان الأعيان ص 87 ).

[96] ـ رَوَی الإمام أَحْمَدُ، وَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ – قَالَ: « الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَ مَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَ لَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ ». قال المنذري: إسنادهما جيد.

حاصل المعنى: من اتخذ الدنيا دار إقامة فكأنه لا دار له؛ لأنه ينتقل منه بعد زمان، و من جمع أموال الدنيا و لم ينفقه في سبيل اللَّه فكأنه لا مال له؛ لأن المال إنما يحمد للإنفاق، و يجوز أن يكون المراد دار من لا دار له في الآخرة، و مال من لا غناء له في الآخرة. وَ عَنْ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: لَا تَتَّخِذُوا الدُّنْيَا رَبًّا فَتَتَّخِذَكُمْ لَهَا عَبِيدًا. وَ عَنِ الْحَسَنِ: لَوْلَا حُمْقُ النَّاسِ لَخَرِبَتِ الدُّنْيَا.

انظر ( مشكاة المصابيح ج 3 ص 1437 ، و الترغيب و الترهيب للمنذري ج 4 ص 86 ، و غذاء الألباب ج 2 ص 453 ، و حسن التنبه ج 3 ص 339 ، و لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح ج 8 ص 441 ، و التفسير الكبير للرازي ج 22 ص 115 ، و اللباب في علوم الكتاب ج 13 ص 226 ). و راجع ( تفضيل الفقر على الغنى لابن الفراء ).

وَ أخرج ابْن أبي الدُّنْيَا وَ الْبَيْهَقِيّ عَن مُوسَى بن يسَار رَضِي الله عَنهُ أَنه بلغه أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَ سلم قَالَ: إِن الله جلّ ثَنَاؤُهُ لم يخلق خلقا أبْغض إِلَيْهِ من الدُّنْيَا وَ إنَّهُ مُنْذُ خلقهَا لم ينظر إِلَيْهَا.

وَ أخرج الْبَيْهَقِيّ عَن الْحسن رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَ سلم: حب الدُّنْيَا رَأس كل خَطِيئَة. ( الدر المنثور ج 8 ص 488 ).

و للحافظ ابن أبي الدنيا رسالة في هذا الباب، سماها ( ذم الدنيا )، و الآيات و الأحاديث و الآثار في ذلك كثيرة فليرجع إلی مواضعها! و ذكر نبذة منها الشيخ اللهيميد، في شرح الأربعين النووية، عند ما شرَح حديث ( 40 ) ص 123 ).

[97] ـ اقتباس من الكتاب الحكيم، انظر ( آل عمران : 185، و الحديد: 20 ).

[98] ـ التوفيق: جَعل الله فعل عباده موافقاً بما يحبه و يرضاه. ( التعريفات ص 52 ). و للتفصيل راجع إلی ( کشاف اصطلاحات الفنون، و تحفة المريد علی جوهرة التوحيد، و شرح المواقف، و البدر الأسطع و التقرير الأنفع علی كتاب المطلَع، و.. ).

[99] ـ متبرك من قول الله عزّ و جلّ، انظر سورة ( هود : 88 ).

[100] ـ أواخر سورة ( الصافات 180 ، 181 ، 182 ). أخرج ابن أبي حاتم في التفسير من مرسل الشعبي بسند صحيح إليه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: « مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى مِنَ الْأَجْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلْيَقُلْ آخِرَ مَجْلِسِهِ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ». وَ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُتَّصِلٍ مَوْقُوفٍ عَلَى عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى مِنَ الْأَجْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلْيَكُنْ آخِرُ كَلَامِهِ فِي مَجْلِسِهِ: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَ قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حدثنا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ قَالَ حَمَّادٌ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَدْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ: { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَ سَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينِ (182) }؛ فَقَدِ اكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى. انظر ( نتائج الأفكار ج 2 ص 306 ، و تفسير ابن أبي حاتم ج 10 ص 3234 ، و تفسير ابن كثير ج 7 ص 47 ، و المطالب العالية ج 14 ص 54 ).

و صلی الله تعالی على سيدنا محمد النبي الأمي، و على آله و أزواجه و أصحابه أجمعين، و على التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، مِن العلماء و المقربين، و الفقهاء و المحدثين، و القراء و المستمعين. اللهم اغفر لي و لوالدي، و لمشائخي و لتلامذتهم، و لإخواني و أصدقائي في الدين، و لسائر المسلمين و المسلمات، و المؤمنين و المؤمنات، الأحياء منهم و الأموات، اللهم كما مننتَ بإتمام هذا الكتاب في الدنيا، فامنن علينا في الآخرة بالحشر مع مَن ذكر فيه، من النبيّين و الصّديقين، و الشّهداء و الصّالحين، آمين ياربّ العالمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *